بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ما الذي يعنيه أن تؤمن بالله؟ وهل يكفي أن تقول إنك مؤمن بالله حتى يتحقق لك بذلك ما يريده الله تعالى لك؟
إن الإيمان بالله يعني أن تحاول جهدك أن تضطر عقلك حتى يعي محيطه بدلالةٍ من كون الله تعالى موجوداً، وذلك على الرغم من كون كل ما يحيط بك يقول بخلاف ذلك. فهذا “العالم” قد استقر على ما هو عليه على أساسٍ من أسبابٍ لا تحتاج معها إلى استقدام فرضية كتلك التي يقول بها الدين مفترضاً وجوب أن يكون هناك إله هو الله لا قيام لهذا العالم إلا بمددٍ منه. ولذلك يكون الإيمان أمراً ليس باليسير طالما كان يستدعي منك وجوب أن تفرض على الواقع ما لا ينتمي إليه، وذلك مادام وعيك عاجزاً عن أن ينظر إلى هذا الواقع فيرى آثار التواجد الإلهي مبثوثةً فيه. ولقد ازداد الأمر صعوبةً وتعقيداً بمجيء العلم، وذلك لأننا أصبحنا قادرين على أن نعلل لكل ما يحيط بنا ولكل ما يحدث في الوجود من أحداث استناداً إلى ما جاءنا به هذا العلم من قوانين لا تستدعي حضوراً لله تعالى فيها.
فالايمان إذاً يستدعي منك أن تحاول جهدك ألا يغيب الله تعالى عن وعيك ما استطعت، موقناً أن هذا الأمر عسير طالما كان العالم لا يحتاج منك لأن تعلل لما يحدث فيه بقولك إن الله تعالى هو مسبب الأسباب، وطالما كانت هذه الأسباب تكفي لجعله يدور على أحسن ما يرام! ولذلك كان الإيمان يستدعي منك أن تذكر الله تعالى كثيراً. فذكر الله تعالى هو واحدٌ من تقنيات تعبُّدية عدة تستطيع بموجبها أن تديم تذكُّر “الحقيقة” التي يريدك هذا الواقع أن تغفل عنها فلا تذكرها أبداً.
والأمر هو ذاته فيما يخص الإيمان باليوم الآخر. فالدين يريدك أن لا تنسى الآخرة وأن تتذكرها على الدوام طالما كانت الحياة الدنيا تريدك أن لا تنشغل عنها بسواها. ومما يجعل تذكُّر الآخرة وعدم نسيان اليوم الآخر واجباً، هو أن كل ما يحيط بك من أمور هذه الحياة الدنيا بمقدوره أن يشغلك عن تذكُّر الآخرة إن أنت “تفاعلتَ” معه غافلاً عن أنه ما خُلق إلا ليكون لك فتنة. والإيمان باليوم الآخر يعني أن لا تنسى الآخرة وأن تكون على الدوام مشغولاً بها مادمت لا تدري ما سيؤول إليه أمرك فيها، وأن لا تجعل الخوف من جهنم يفارقك بحجة أنك لا تعمل من الأعمال ما يوجب أن تلقى فيها. فالأمر أكبر بكثير من أعمالٍ إن أنت لم تقم بها فقد ضمنتَ أن تبقى بعيداً عن نار جهنم. إن الدين يريد منك أن تتذكر جهنم ولا تنساها، وأن لا يكون كل حظها منك أن تقول لنفسك إنك لا تعمل ما سينتهي بك إلى أن تُلقى فيها. فالغالبية العظمى من بني آدم لا تقترف السوء، ليس خوفاً من جهنم، ولكن لأن ما يحول بينها وبين فعل السوء هو هذا الذي يشار إليه بأنه “الضمير” الذي يوجب على المرء أن يكون متصفاً بما تواضعت عليه الجماعة الإنسانية من صفاتٍ يُعرف بها “الإنسان الصالح”. إذاً فالدين لا يريد منك أن تمتنع عن فعل السوء وذلك لتُرضي ضميرك. كما أن الدين لا يريد أن تكون جهنم حاضرةً فيك، وبما يجعل منك تحجم عن فعل السوء مخافةَ أن تُلقى فيها. فالدين يريد منك أن تتذكر جهنم ولا تنساها حتى ولو لم تكن ممن لا قدرةَ لهم على عدم فعل السوء. فالدين ما جاء بـ “جهنم” ليجعل من المؤمنين به يخافونها فلا يُقدم واحدهم على فعل السوء. إن تذكر جهنم هو مغزى الإيمان باليوم الآخر، طالما كنت لا تعلم علم اليقين أنك لست ممن سيُخلَّد فيها. فواقع الحال بوسعه أن يقدِّم لنا البرهان على أن الغالبية العظمى من بني آدم “لا إرادة” لهم في تذكُّر اليوم الآخر. فأغلب البشر يظنون الآخرة ضرباً من الخيال لا يستدعي من الواحد منهم أن ينشغل بها عن دنياه التي كلما نظر إليها رأى فيها ما يؤكد له أنها “الواقع” الذي يتوجَّب عليه أن يتشبَّث به طالما كانت الآخرة “حقيقة” يعجز واقعه هذا عن أن يجيئه بالبرهان عليها! يكفيك أن تتدبَّر بعضاً من آيات القرآن العظيم لتتبيَّن أن الأمر أكبر بكثير من مجرد أن يكون الإيمان باليوم الآخر مردُّه “تخويف” الإنسان حتى لا يُقدم على فعل السوء، وأن هذا الإيمان باليوم الآخر مطلوب لذاته دون أي تسبيب: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون) (7-8 يونس)، (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (من 26 ص)، (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُون) (من 6-7 الروم).
