بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

عالم الطبيعة من حوالينا ينبض بكل ما هو كفيلٌ بجعلنا نتبيَّن فيه انضباطاً واتزاناً يفتقر إليهما عالم الإنسان. فالإنسان، وإن كان قد نشأ من تراب الطبيعة خِلقةً إلهيةً لا مثيل لها، فإنه قد شذَّ عن هذه الطبيعة وتناشز معها بتطوره الذي أخرجه عليها وصيَّره مخلوقاً متمرداً وكياناً “غير طبيعي”. ولعل واحداً من أبرز ملامح خروج الإنسان على أمه الطبيعة هو ما يميز سلوكه الجنسي. فالجنس عند الحيوان، شأنه شأن كل ما هو ذو صلةٍ بما هو عليه الحيوان في تناغمه مع الطبيعة، منضبط بمحدِّدات وضوابط فرضتها عليه هذه الطبيعة دون أخذٍ بنظر الاعتبار لأي رأي له. والحيوان يُساق إلى الجنس رغم أنفه دون أن يكون له أي “شغف” كهذا الذي يميِّز مَيل وانشغال الإنسان به. والحيوان، إذ يمارس الجنس، فإنه لا يندفع إليه كما يندفع الإنسان إذ يمارس الجنس شهوةً ورغبةً وتوقاً يبلغ في كثير من الأحايين حد الهوَس والافتتان. فالحيوان ينفذ ما خُلق ليقوم به ويمتثل لما يأمر به البرنامج الذي خلق الله الطبيعة مزودةً به حتى يكون بمقدورها أن تحقق الغاية التي خلقها تعالى لتعمل جاهدةً على تحقيقها. وهذه الغاية هي لا أكثر من أن تنتشر الحياة البايولوجية وتعم هذا الكوكب براً وبحراً وجواً. وهذا ما لا نجده عند الإنسان طالما كان الجنس من وجهة نظره متعةً ولذة قبل أن يكون أي شيء آخر، حتى وإن كان هذا ذا صلة ببرنامج الطبيعة. فالإنسان لا علاقة له من قريب أو بعيد بهذا البرنامج الذي خرج عليه بخروجه على الطبيعة وتمرُّده على قوانينها الإلهية. وكل منصف، إذ ينظر إلى عالم الطبيعة وعالم الإنسان، لن يكون بالعسير عليه أن يتبيَّن الفروقات الشاسعة التي يتمايز بها هذان العالمان. ومن هذه الفروقات “الاستقلالية” التي تُميِّز مقاربة الإنسان للجنس. فالإنسان لا يكتفي بأن لا يكون شغله الشاغل تنفيذ برنامج الطبيعة، ولكنه يذهب بعيداً في تمرُّده على هذا البرنامج، وإلى الحد الذي يجعل منه ينصرف إلى الانشغال بالجنس “غايةً” لا وسيلة. أنظر إلى الحيوان كيف يطيع الطبيعة بامتثاله لبرنامجها الجنسي فلا يغلو ولا يفرِط ولا يبالغ في سلوكه الجنسي كما يفعل الإنسان. فالجنس عند الحيوان هو الجنس الذي تريده الطبيعة: فعاليةٌ تهدف إلى حفظ الحياة البايولوجية وضمان أقصى انتشار لها. وهذا ما لا تجده عند الإنسان، الذي يمارس الجنس دون أن يكترث البتة بالطبيعة وببرنامجها وبأي قانون من قوانين الله تعالى التي خُلقِت الطبيعة لتعمل جاهدةً على تنفيذها.
إذاً ما الذي جعل الإنسان، الذي نشأ عن الطبيعة، يتابين سلوكه الجنسي مع برنامجها الجنسي فيصبح شغوفاً بالجنس إلى هذه الدرجة؟ إن الإجابة على هذا السؤال لا قدرةَ للعلم على أن يجيئنا بها، مادام هذا العلم لا قدرةَ له على أن يحدد للإنسان ماضياً غير ماضيه الحيواني على هذه الأرض. فكل محاولةٍ لفقه هذا الذي جعل الإنسان يشذ بسلوكه الجنسي هذا عن برنامج الطبيعة، وذلك بالاستناد إلى الماضي الحيواني للإنسان، لن يُكتب لها النجاح. وهكذا يبقى لغزاً مستعصياً على الحل ما يتميز به الإنسان من انشغال بالجنس وبما يجعل منه كياناً غير طبيعي مادام انشغاله هذا يستهلك ويستنفد منه طاقةً ما كانت الطبيعة لتسمح بذلك لأي من كائناتها.
فإذا كان العلم عاجزاً عن أن يعلل لهذا الهوَس البشري بالجنس، فإن الدين بمستطاعه أن يدلو بدلوه فيُعيننا على أن نقع على العلة التي جعلت الإنسان مشغولاً بالجنس على مدار الساعة. إن الدين يُرجِع كثيراً من شذوذات الإنسان عن الطبيعة إلى ما جرَّه عليه أكل آدم وحواء من الشجرة التي نُهيا عنها. فتلك “الأكلة المحرَّمة” تسببت بالإضرار بما كانت عليه بايولوجيا وفسيولوجيا الإنسان من انضباط واتزان، فجاءت النتيجة ما جعل منه يتصرف كما لو أنه كيانٌ مستقل مقطوع الصلة بالطبيعة. وهذا ما تجلى في عجز الإنسان عن التقيُّد بضوابط ومحدّدات برنامج الطبيعة الجنسي، مما جعله يُفرِط ويغلو ويبالغ في سلوكه الجنسي.
إن أي “تعليل علمي” لما يتميز به السلوك الجنسي للإنسان من غلو وإفراط، دون الرجوع إلى أكلة آدم وحواء من الشجرة المحرمة، محكوم عليه بالفشل طالما لم يكن بين يدي العلم غير الماضي الحيواني للإنسان.
