بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ما كان للحيوان أن يتَّخذ له رباً غير الله. فالحيوان “مخلوقٌ طبيعي” خلقَه الله في أحسن تقويم وأبقاه على خِلقته المثالية الكاملة هذه. والحيوان مفردةٌ من مفردات عالم الطبيعة يتناغم مع باقي مفرداتها ويتجلى هذا التناغم انضباطاً منه بقوانينها الإلهية التي خلقها الله تعالى ضابطةً لإيقاع تفجُّر الحياة البايولوجية وانتشارها في عموم كوكبنا الأرضي هذا براً وبحراً وجواً. والحيوان ما كان له الخِيَرة من أمره طالما كان “مخلوقاً طبيعياً” منتمياً للطبيعة التي أبت أن تحمل “الأمانة” التي عرضها الله تعالى عليها لإشفاقها منها (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) (من 72 الأحزاب). والحيوان، بهذا الانصياع منه لقوانين الله تعالى، يتفوق على الإنسان الذي تؤثر الغالبية العظمى من بَنيه التمرد على هذه القوانين ظلماً منها وجهلاً (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (من 72 الأحزاب).
ولذلك كان بمقدور الحيوان أن يجعلك تستشعر وجوداً “لشيء” تعجز عن الوقوع عليه عند الغالبية العظمى من البشر. وهذا الذي بوسع الحيوان أن يجعلك تستشعره نابع من شديد توافقه مع القوانين الإلهية التي تسير الطبيعة بموجبها. وهذه القوانين، التي لا قدرةَ للحيوان على عصيانها، هي التي لا رغبةَ للإنسان في أن يطيعها طالما كانت هذه الإطاعة تطالبه بوجوب عصيان نفسه التي لا ترضى إلا أن تكون آمرة ناهية. فالحيوان يتمايز عن الإنسان بكونه مخلوقاً طبيعياً لا “نفس” له. والإنسان، بهذه النفس التي تتحكم فيه، أصبح مخلوقاً غير طبيعي لا قدرةَ له على المخالفة عما تأمر به نفسه إلا إذا كان من أولئك الذين آثروا أن يتخذوا لهم إلهاً غيرها.
وعلى من يجد هذا الكلام شديد الوطأة على نفسه أن يتذكر ما يزخر به القرآن العظيم من تنديد وإدانة للإنسان الذي يكفيه شذوذاً عن الطبيعة، وتناشزاً معها، أنه اتخذ إلهه هواه فأضحى بذلك أدنى مرتبةً من الحيوان الذي أبداً لن يستعيض عن الله بإلهٍ سواه. إن كلامي هذا فيه من الانتقاص من متوهَّم قدْر الإنسان ما هو كفيل بجعل كلاً من علماء التطور ورجال الدين التقليديين يجمعون على مناصبتي العداء مادمتُ لا أشاركهم تصوُّرهم لما هو عليه الإنسان من “فرادةٍ وتميُّز استثنائيين” يجعلانه عندهم كائناً يفوق الحيوان رقياً وتطوراً! يكفي الحيوان تطوراً ورقياً أنه يعبد الله تعالى طائعاً مطيعاً لقوانينه الإلهية إطاعةً جعلته يتناغم مع الطبيعة ولا يشذ عنها كما يفعل الإنسان.
