بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

من بين أجمل ما قاله سيدنا المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام: “دع الموتى يدفنوا موتاهم”، وذلك رداً منه على طلب أحد أتباعه أن يأذن له بالذهاب إلى أهله ليقوم بدفن والده. فسيدنا المسيح عليه السلام أراد أن يفهم تابعه، ومن كان حاضراً، أن الخيرَ هو في الإعراض عن الانشغال بما ينشغل به موتى القلوب. وهذه النصيحة بوسعك أن تنتفع بها فتحدد بموجب منها دليلاً تحتكم إليه لتعرف ما يتوجب عليك فعله مادمت مضطراً لأن تعيش ضمن الجماعة الإنسانية فرداً من أفرادها يتعيَّن عليه في أحايين كثيرة أن يعاني جراء حرص أفرادٍ من هذه الجماعة على إشغالك بكل ما من شأنه أن ينأى بك عن ما أنت منشغل به سيراً على طريق الله تعالى مبتعداً ما استطعت عن ما هم منشغلون به من قيل وقال ولغو وخوض في التفاهات والسفاسف والترهات. فأغلب الناس حريصون على ألا ينقضي يومهم دون أن تسوَّد صفحات أعمالهم بكل ما سيعود عليهم وبالاً يوم الحساب! وهذا هو دأب أغلب أفراد الجماعة الإنسانية على مر العصور وتعاقب الدهور في كل مكان وزمان. فالإنسان فينا يأبى إلا أن يُطِل برأسه فيجعل منا نؤثِر الخوض فيما لا نفع من ورائه ولا طائل.
وأنت إذا ما أردت أن تنتفع بوقتك فلا مناص لك من أن تفارق مجالس اللغو هذه فلا تدع أصحابها يستدرجونك إلى ما هم فيه خائضون. فكل مَن شغلته دنياه عن آخرته، فأضحى يؤثر من الحديث أسخفه ومن القول أبعده عن أن يكون صادراً عن ناصحٍ أمين، لا يستحق منك غير أن تعرض عنه وتصفح. فهذا الانشغال بعرَض الحياة الدنيا، خوضاً في كل ما يشغلك عن الآخرة، لا ينبغي أن يجتذبك إلى مستنقعه الآسن فينالك منه ما لن يعود عليك إلا بجعلك من المنافقين.
ولقد ورد في القرآن العظيم ما ينبغي عليك أن تنتصح به مادمتَ تزعم أنك تُعِد العدة ليوم القيامة. تدبَّر الآية الكريمة (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (من 85 الحجر). هذا إذا أردتَ أن تكون من المؤمنين الذين ذكر قرآن الله العظيم أن من أوصافهم أنهم عن اللغو معرضون (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون) (1-3 المؤمنون). وبذلك تكون من عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (63 الفرقان). فأنت لن تكون أبداً بأفضل من خير خلق الله تعالى حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، الذي أمره ربه عز وجل: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين) (199 الأعراف).
