بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا قدرةَ لكثير منا على العيش بعيداً عن الخوض في تناقضات كانت حياتنا لتصير هانئة رغيدة لو أننا لم ندع الشيء ونقيضه يتعايشان ويُعشِّشان داخلاً من عقولنا! فواحد من أهم ما يميز عقل الإنسان هو هذه القدرة الفذة على “اصطناع المتناقضات”، وعلى “التغافل” عنها، دون أن يدرك هذا العقل استحالة تجاور الشيء ونقيضه. وكثير من مشكلات العقل “الدينية” والفلسفية والفكرية والسلوكية مردها عجزه عن إدراك ما يتسبب به ولعه وشغفه بالعيش في ظل هذه “المتناقضات”. فالإنسان، وبسبب من كونه “مخلوقاً غير طبيعي”، يعجز عن تبيُّن ما ينطوي عليه تفكيره من تناقضات تجعله يسير على غير هدى فلا يستطيع أن يصيب الهدف، وإن كان يظن خلاف ذلك. ولعل واحداً من التناقضات التي يقع فيها “الإنسان المتدين” هو هذا العجز منه عن مقاربة الأمور وقراءة الأحداث بدلالةٍ من “إيمانه المزعوم” بالله تعالى. ومثال على هذا العجز العجيب أنك تجد هذا الإنسان يحسد مَن يرى أنه يرفل في نعمةٍ يفتقر هو إليها! ولو أنه لم يكن أسير “الفكر التناقضي” المشار إليه أعلاه، لقمع مشاعر الحسد هذه طالما كانت النعمة التي حسد صاحبه عليها هي من عند الله تعالى. ولو أنه لم يكن “متناقض التفكير” لاستعاض عن الحسد بدعاء الله تعالى أن يتفضل عليه ويرزقه كما رزق صاحبه الذي تسبب إنعام الله عليه بجعله يختنق بمشاعر الحسد هذه! وهذا ما تشير إليه صراحةً الآية الكريمة (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (32 النساء).
