بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يريدنا العلم أن نصدِّق أنه وحده القادر على أن يعلل لوقائع الأمور، طالما كان بمقدوره أن يصف الواقع كما لا يستطيع أحد غيره! فإذا كان العلم ربيب الواقع وصنيعته، طالما كانت مادته وقائع وأحداث وظواهر هذا الواقع، فإن جل ما بمستطاعه أن يقدِّمه لنا، إذا ما هو التزم “المنهج العلمي”، لا يمكن أن يتجاوز بحال توصيف هذا الواقع وصفاً لمفرداته دون أن يكون مخولاً للخوض في خضم التعليل لها تفسيراً يطال ما غُيِّب عنه من واقع متوارٍ بعيداً عن واقعه الذي نشأ في ظله. وإذا ما نحن استرشدنا بما تقدَّم، محاولين أن نستعين بالعلم ليقدِّم لنا “تصوراً واقعياً” للإنسان، فإن ما سنقع عليه خاتمة المطاف لا يمكن له على الإطلاق أن يكون “الصورةَ الحقيقية” لهذا الإنسان، وذلك لأن هذا العلم لا ينظر إلى الإنسان بعينٍ تراه على ما هو عليه حقاً وحقيقة طالما كانت هذه النظرة كفيلةً بجعله يقع في تناقضات استشعرها فكان أن تحاشاها بمناروةٍ جعلت “نظرته” إلى الإنسان لا ترى منه إلا ما يتوافق ويتطابق مع “تصوره” عنه. وهذا التصور قائمٌ على أساس من أن الإنسان مفردةٌ من مفردات عالم الطبيعة نشأ عنها وأضحى، من بعد رحلةٍ طويلةٍ من النشوء والارتقاء، “كائناً طبيعياً” كباقي كائناتها من نبات وحيوان. وبذلك أصبح العلم ملزماً بأن يجافي الواقع الذي يزعم أنه مقيَّد بمحدداته، وأن يقدِّم لنا تصوراً بديلاً للإنسان لا يتطابق مع ما هو عليه هذا الإنسان حقاً وحقيقة.
إن التصور العلمي للإنسان تصور افتراضي مؤدلج. فالإنسان، وفق هذا التصور، هو “ما ينبغي” أن يكون عليه طالما كان هذا الإنسان سليل الحيوان، وطالما كان لا يختلف عن أيٍّ من كائنات الطبيعة مادام هو قد نشأ عنها! إلا أن واقع ما هو عليه الإنسان ينبئ بخلاف ما “يتصور” العلم. فإذا ما نحن قارنَّا الإنسان بما هو عليه الحيوان حقاً وحقيقة، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن تفوقاً للحيوان عليه، وذلك على قدر تعلق الأمر بضعف البُنية البشرية بايولوجياً وفسيولوجياً. وهذا الضعف بإمكاننا أن نتبيَّنه بمقارنةٍ بين باثولوجيا كل من الإنسان والحيوان. فالإنسان إذ يتفوق على الحيوان، فإن تفوقه هذا بإمكاننا أن نحدد له مجالاتٍ يتسيَّدها ما يتميز به من “ضعف بنيوي” يتجلى في كونه أكثر المخلوقات البايولوجية أمراضاً وإمراضاً. فلو كان الإنسان حقاً مخلوقاً طبيعياً، لكانت بُنيته البايولوجية ووظائفه الفسيولوجية تشي بذلك. ولكن واقع الحال يبرهن على خلاف ذلك مادام الإنسان على هذا القدر من الضعف في مواجهة الفايروسات والمايكروبات وغيرها من مسببات الأمراض (الباثوجينات).
إن عجز العلم عن أن يقدم لنا “التصور الواقعي” لما هو عليه هذا الإنسان حقاً وحقيقة، دليلٌ على أنه لا يتقيّد بمفردات الواقع، وأنه يصيغ تصوره هذا مستعيناً بنظرته إلى الإنسان؛ هذه النظرة التي فيها من الآيديولوجيا ما لا وجود له على أرض الواقع. فلو كان العلم حقاً يقيد تصوره للإنسان بمفردات الواقع فلا يتجاوزها، لجاء هذا التصور متطابقاً تمام التطابق مع ما عليه الإنسان حقاً وحقيقة.
على أي حال، فإذا كان هذا هو تصور العلم للإنسان، فإن الدين يقدّم لنا تصوراً آخر يتطابق ويتوافق تمام التوافق مع ما بمقدور واقع هذا الإنسان أن يقدمه أدلةً وبراهين على ضعفه البنيوي. فالقرآن العظيم يقدّم لنا توصيفاً واقعياً لما يتميز به الإنسان من ضعفٍ، وذلك بالمقارنة مع غيره من المخلوقات البايولوجية. تدبر الآية الكريمة (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء). فالإنسان، الذي خلقه الله تعالى في أحسن تقويم، لم يبق على خِلقته الكاملة المثالية هذه. إذ سرعان ما رُدَّ إلى سابق ما كان عليه قبل أن يُصيِّره الله إنساناً في أحسن تقويم فكان أن تحتَّم عليه أن يكون أكثر المخلوقات البايولوجية ضعفاً. وبذلك يقدم هذا القرآن دليلاً آخر على تفوقه المعرفي على العلم طالما كان تصوره للإنسان متوافقاً مع ما بوسع الواقع أن يجيئنا به من وقائع وأحداث وظواهر تبرهن كلها جميعاً على أن التصور العلمي للإنسان لا يتوافق مع هذا الواقع توافقه مع التصور القرآني له. يكفينا أن نتدبر الآية الكريمة 73 من سورة الحج لنتبيَّن ما جُبل عليه الإنسان من ضعف لا يتناسب إطلاقاً مع فكرته عن نفسه وتصور العلم له (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ).
