“فأصبحتم بنعمته إخوانا”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

فأصبحتم بنعمته أخوانا

ذكرتُ في منشورات عدة أن القرآن العظيم يتفوق على العلم تفوقاً معرفياً في كثير من المناحي ذات الصلة بما يعجز العلم عن الولوج إليها بسببٍ من كون هذه المناحي بعيدة المنال فلا قدرةَ له على الإحاطة بها، طالما لم يكن مقدَّراً لهذا العلم أن يقع إلا على ما هو منتمٍ لهذا الواقع الذي نشأ في ظله. وبذلك يحق للقرآن العظيم أن يقال عنه إنه الكتاب الذي يُعجز العلم عن أن يكون بمقدوره أن يجيء بما بوسع هذا الكتاب الإلهي أن يأتينا به من حقائق تخص ماضينا السحيق وحاضرنا القائم ومستقبلنا القادم. وهذا هو ما جعلني أعرض عن “الإعجاز العلمي للقرآن”، طالما كان فيه من الخطل ما يتجاوز الخطأ في اشتقاق التسمية إلى ما ينطوي عليه من انبهارٍ بنظريات العلم لا مبرر له. فكان أن وضعتُ مصطلحاً أجده أكثر تعبيراً عن التفوق المعرفي للقرآن العظيم، هو “الإعجاز القرآني للعلم”، قصدتُ به أن أشير إلى حقيقة إعجاز القرآن العظيم للعلم وبما يجعل هذا العلم ليس بمقدوره أن يواكب، ناهيك عن أن يبز، كتاب الله العظيم قدرةً على الوقوع على حقائق الوجود.

ومن بين هذه الحقائق التي جاءنا بها القرآن العظيم ما هو ذو صلةٍ بتبيان العلة التي جعلت من الإنسان أكثر المخلوقات البايولوجية عدواناً. فالعدوان عند الحيوان منضبط بمحدِّدات وضوابط البرنامج الذي خلق الله تعالى الطبيعة مقيدةً به فلا تحيد عنه قيد أنملة، وهذا البرنامج هو خلاصة وجماع كافة القوانين الإلهية التي فرضها الله تعالى على الطبيعة لتتقيد بها وهي تسعى جاهدةً لتحقيق ما خُلقت لأجله. فالطبيعة خلقها الله تعالى ليكون بمقدور الحياة البايولوجية أن تعم وتنتشر في كل صقعٍ من أصقاع كوكب الأرض. وكان “العدوان المنضبط” واحداً من قوانين الله تعالى التي أتاحت للطبيعة أن تفرض على أفرادها من نباتٍ وحيوان ما يجعل بمقدور كل فردٍ في عالمَيهما يقوم بما يلزم لضمان تحقيق غاية الله تعالى في انتشار الحياة البايولوجية هذا. أما العدوان في عالم الإنسان، فقد أصابه ما جعل منه غير منضبط بضوابط الطبيعة فأضحى الإنسان بذلك مخلوقاً يمارس العدوان دون أية ضوابط. والعدوان غير المنضبط هذا هو واحدٌ من أهم ما يميز الإنسان في تناشزه مع الطبيعة وشذوذه عنها وخروجه عليها. ولقد ذكرتُ في منشورات سابقة أن القرآن العظيم قد أنبأنا بعلَّة هذا العدوان مبيِّناً أن هذه العلة ذات صلة وثيقة بما جرَّه على الإنسان أكل أبويه من الشجرة التي نُهيا عنها. ولقد جاء في هذا القرآن أيضاً ما بوسعنا أن نزداد به معرفةً بما هو عليه هذا الإنسان من عدوان غير منضبط بضوابط الطبيعة التي جعل الله تعالى العدوان فيها منضبطاً بقانون إلهي صارم لا قدرةَ لمخلوق طبيعي على عصيانه.

وبوسعنا أن نتدبر بعضاً من هذه الآيات الكريمة ليتجلى لنا كم هو مستحيل أن ينجو الإنسان من قدَر هذا “العدوان المنفلت”، وليتبيَّن لنا أن لا سبيل هناك للإفلات من قبضة هذا القدَر الإلهي الذي صاغته كلمات الله تعالى (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) إلا بقدَر إلهي آخر يزيحه ليحل محله (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (من 103 آل عمران)، (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِين. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (من 62-63 الأنفال).

أضف تعليق