بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يذكر القرآن العظيم أن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام، وذلك في سبعة مواطن منه. ومن هذه المواطن الآية الكريمة 38 من سورة ق (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ). وللمرء أن يتساءل لماذا لم يخلق الله تعالى السموات والأرض خلقاً لحظياً، مادام هو قادرٌ على ذلك، بقوله “كن فيكون”؟
إن الإجابة على هذا السؤال تستدعي تذكُّر الحقائق التالية:
أولاً: إن اليوم عند الله تعالى هو ليس بالضرورة أن يكون اليوم الذي نعُد. فقد يكون اليوم الإلهي مقداره ألف سنة مما نعد (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (من 47 الحج)، (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّون) (5 السجدة)، أو 50 ألف سنة (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) (4 المعارج).
ثانياً: إن قراءةً متدبِّرةً للتدخل الإلهي في سير أحداث الوجود كفيلةٌ بجعلنا نخرج بحقيقةٍ مفادها أن الله تعالى “يؤثِر” أن يكون تدخُّله غير المباشر من وراء حجاب الأسباب هو أكثر من تدخُّله المباشر دون وساطةٍ من هذه الأسباب. وهذا ما بمقدورنا أن نبرهن عليه إذ أن من النادر أن نقع على المعجزات وخوارق العادات، طالما كان أغلب وقائع وأحداث وظواهر الوجود من المألوفات وليست من خوارق العادات.
ثالثاً: والله تعالى يعلِّمنا في القرآن العظيم أنه يلتزم ما سبق وأن كتب على نفسه فلا يحيد عنه مع قدرته على ذلك (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (12 الأنعام)، (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (68 الأنفال)، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) (129 طه).
رابعاً: إن اللهَ كان بمقدوره أن يخلق السموات والأرض وما بينهما بـ “كن فيكون” دون أن يكون هناك من أيامٍ للخلق ستة، ولكن هذا الخلق اللحظي كان ليتطلب من المعجزات ما لا يتطلبه “الخلق التطوري” الممتد على مساحة الأيام الستة هذه. ولذلك خلق الله تعالى الكون بأقل صرفٍ ممكن من “الطاقة الإلهية”، طالما كان الخلق بـ “كن فيكون” يتطلب صرفاً هائلاً من هذه الطاقة لا مبرر له عند الله تعالى.
