بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
إذا أردت أن تنظر إلى الأشياء فتراها على حقيقتها، فليس إلى ذلك من سبيل إلا بأن تسير على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابطه ومحدداته فينعم الله تعالى عليك ويجعلك قادراً على أن تبصر نوره المنعكس عن هذه الأشياء، أو بأن تنتظر حتى يأتي يوم القيامة فتُشارك غيرك من بني آدم المقدرة التي سيجعل الله تعالى كل واحد منهم يتمكن بوساطةٍ منها أن يرى الأشياء على حقيقتها. لقد “طوَّر” الله تعالى عين الإنسان فجعلها قادرةً على أن ترى الأشياء على ما هي عليه واقعاً فلا تستطيع أن تراها على ما هي عليه حقيقةً، وذلك لأن “حقيقة الأشياء” لا حاجةَ بالإنسان إليها لتمشية أمور دنياه. وهكذا تسنى للإنسان بهذه العين أن ينظر إلى الأشياء فيراها بدلالة الضوء المنعكس عنها. ويوم القيامة لن يكون هناك ضياء يكفل للإنسان أن يبصر به الأشياء، طالما تكفَّل نور الله تعالى بجعل الإنسان يرى الأشياء على حقيقتها وليس كما كان يراها في حياته الدنيا التي ما كان بمقدوره أن ينظر إلى أشيائها إلا بوساطةٍ من ضيائها فلا يرى منها إلا ما هي عليه واقعاً لا حقيقة.
والوجود يوم القيامة لن يكون كهذا الوجود في هذه الحياة الدنيا. فالله تعالى سيخلق وجوداً آخر يوم القيامة غير هذا الوجود الذي لا قدرةَ له على أن “يصمد” إذا ما تجلى له الله تعالى بنوره “المنظور”. فالوجود في هذه الحياة الدنيا يغمره ويتخلله النور الإلهي “غير المنظور”. وهذا النور لا قدرةَ لبشرٍ على أن يراه أو أن يرى الأشياء على حقيقتها بوساطةٍ منه ما لم يكن من أهل الله تعالى. إن هذا الاختلاف بين الوجود في هذه الحياة الدنيا، والوجود يوم القيامة، حقيقةٌ من الحقائق التي جاءنا بها القرآن العظيم. فيكفينا لنستيقن من ذلك أن نتدبر الآية الكريمة (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار) (48 إبراهيم).
