هل خلقَنا الله عبثاً؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَالدنيا عند أهلها لا ينقصها إلا مزيداً من الدنيا؛ فهي عندهم تكاد أن تكون مثالية كاملة لولا ما يعتورها من نقصٍ هنا أو هناك لا يستدعي وجوب أن تجيء الآخرة التي لا اكتمال “للقصة” إلا بها كما يقول الدين. فالدين يقول إن الإنسان سيكون قد خُلق عبثاً لو أن حكايته تنتهي بموته. وهذا ما لا يتفق مع هوى هذا الإنسان طالما كانت نفسه لا تريده أن يصدق أن هناك ما ينقص حياته غير نزرٍ من هذا أو ذاك، وأن الدنيا واقعٌ قائم لا يحتاج معه إلى ما هو قادم، حتى وإن كان حقيقةً، طالما كانت هذه الحقيقة مأجولةً بأجلٍ غير مسمى. والدين يقول بخلاف ما يتوهم ويظن الإنسان الذي صاغت له نفسه “معادلة الحياة” على نحو بالإمكان التعبير عنه بأنه: “دنيا + مزيد من الدنيا = السعادة المثلى”. وهذا ما لا يريدنا الدين أن نصدقه طالما كانت الحقيقة تخالفه.

فلو أن الإنسان أنصف لصدَّق الدين فيما يقول به من أن حياته الدنيا هي ليست كل ما هنالك، وأنها لو كانت حقاً كما يتوهم لكان كل شيء عبثاً في عبث (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (115 المؤمنون). يتبيَّن لنا بتدبُّر هذه الآية الكريمة أن الله يريدنا أن ندرك أن حياتنا كانت لتصبح عبثاً لو لم يتحتم علينا أن نرجع إليه تعالى. فالآخرة هي التي تجعل لحياتنا الدنيا هذه معنى. ويخطئ كل من يظن أن بوسعه أن يستخلص معنى لحياته دون أن تكون هناك من آخرة تجيء بعد موته. فإذا كان الموت عند الغالبية العظمى من بني آدم نهاية معقولة ومقبولة، فإنها ليست كذلك عند الله تعالى. فالله تعالى يريدنا أن ننظر إلى الدنيا فنراها على ما هي عليه وليس كما نحب ونهوى. ولكن الإنسان لا يريد أن يصدِّق أن ما ينقص دنياه حتى تكتمل لا يمكن أن يكون كما يظن ويتوهم مادام ما ينقصها هو ليس بحالٍ من الأحوال مزيداً منها، وطالما كانت الدنيا لا تكتمل إلا بما ينقصها حقاً. والآخرة هي ما ينقص الدنيا حقاً. والدنيا لا اكتمال لها إلا بهذه الآخرة، التي إن أنت نظرتَ بها إلى الدنيا كان لك أن تتبيَّن ما يعجز غيرك عن استبيانه بشأن وقائعها وأحداثها.

فالحقيقة تأبى أن يقع عليها إلا من أيقن أنها بوجهين لا مناص من أن يُقرأ واحدهما بالآخر. والدنيا والآخرة هما وجها الحقيقة التي يخطئ الإنسان إذ يظن أن بمقدوره أن يحيط بها بهذا الانشغال منه بالدنيا دون الآخرة. إذاً فكل خوضٍ في الدنيا، انشغالاً بسفاسفها وترهاتها وتفاهاتها، لن يجعل منك تزداد إلا عجزاً عن الوقوع على حقيقتها التي لا سبيل للإحاطةِ بها إلا بأن تدرك أنها كانت لتكون عبثاً لو أن خاتمتك كانت الموت. وحدها الآخرة بمقدورها أن تجعلك تٌحسِن قراءة الدنيا فلا تراها عبثاً لا جدوى من وراء ما يحدث فيها!

أضف تعليق