جنة آدم وجنات عدن

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

00cae33bf6f1cb439a792e781b7ee939743501304.jpg

يذكر القرآن العظيم أن الله تعالى أسكن سيدنا آدم عليه السلام جنةً، يظن الكثير أنها كانت على هذه الأرض مستندين في ذلك إلى ما جاء في العهد القديم الذي ورد في سفْر التكوين منه أن هذه الجنة كانت تسمى “جنة عدن”. وهذا الاعتقاد بــ “أرضية” جنة آدم لا أساس قرآنياً يدعمه. بل وعلى العكس من ذلك، فلقد ورد في القرآن العظيم ما يؤكد أن هذه الجنة لم تكن على هذه الأرض، وأنها كانت في مكان ما في السموات، وذلك بدلالة ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر هذه الجنة.

بدايةً، فلقد ورد ذكر جنة آدم في ثلاث سور من القرآن العظيم، هي الآية الكريمة 35 من سورة البقرة (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)، والآية الكريمة 19 من سورة الأعراف (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين)، والآية الكريمة 117 من سورة طه (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى).

وإذا كانت هذه الآيات الكريمة الثلاث لا تقطع بفضائية جنة آدم، فإن فضائية هذه الجنة قد قطع بها ما ورد لاحقاً من آياتٍ ذكرت ما كان من أمر آدم وحواء بعد أكلهما من شجرة الجنة التي نُهيا عنها. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين) (من 36 البقرة)، (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا) (من 38 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (24- 25 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه). يتبين لنا بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن جنة آدم لم تكن على هذه الأرض، وإلا لما قال الله تعالى له ولحواء أن يهبطا منها إلى الأرض حيث سيحيا فيها الجنس البشري ويموت فيها ومنها يُخرَج للحساب يوم القيامة. إن الإصرار على “أرضية” جنة آدم لا مبرر له على الإطلاق بعد أن تبيَّن لنا بتدبُّر ما تقدَّم من آيات كريمة أن الأرض لم تكن إلا “مهبط” آدم وحواء من بعد إخراجهما من الجنة التي لا يمكن والحال هذه إلا أن تكون في الفضاء.

وإذا ما احتج البعض بأن الله تعالى قد ذكر في سورة البقرة أنه جاعلٌ “في الأرض” خليفة، فإن هذه الحجة تدحضها الآيات الكريمة الواردة أعلاه، والتي يتبيَّن بتدبُّرها أن الله تعالى أسكن آدم وحواء الجنة. إذاً فالأمر واضح جلي طالما كان استخلاف آدم على هذه الأرض، وطالما كانت الجنة هي ما أعقب هذا الاستخلاف. كما أن هناك ما بالإمكان استنتاجه بتدبُّر الآيات الكريمة التي ورد فيها ذكر الشجرة التي أُمر آدم وحواء بألا يقرباها. فإذا ما قمنا باستذكار ما نجم عن أكل آدم وحواء من هذه الشجرة من عواقب كارثية عليهما وعلى ذريتهما، فإن هذه الشجرة سوف يكون من المنطقي أن تكون فضائية، طالما لم يُعثَر على هكذا شجرة، بمقدورها أن تتسبب بهكذا آثار، على هذه الأرض. ولقد تحدثتُ في منشورات سابقة عن بعض من أهم ما جرَّه أكل آدم وحواء من هذه الشجرة، عليهما وعلى ذريتهما، من آثار كارثية من بينها السقوط الفوري للغطاء الشعري الذي كان يغطي بدَنيهما، والعدوانية المفرطة التي جعلت بني آدم يعادي بعضهم بعضاً، والفعالية الجنسية المفرطة التي جعلت الإنسان أكثر المخلوقات البايولوجية هوساً وشغفاً وافتتاناً بالجنس.

وبذلك أصبح للإنسان أصلٌ فضائي، وذلك بأكل أبويه من تلك الشجرة الفضائية. وهذه الحقيقة هي من بين جملة الحقائق التي جاءنا بها القرآن العظيم متفوقاً بذلك على العلم الذي مازال أسير تصوُّره عن الإنسان الذي يعجز عن أن ينظر إليه بعينٍ لا ترى غير ماضيه الحيواني.

إن الجنة التي سكنها آدم لم تكن جنة عدن، كما يظن البعض. فلقد ورد في القرآن العظيم أن الله تعالى وعد المؤمنين والمؤمنات جناتٍ أشار إليها بأنها “جنات عدن”، وذلك في أحد عشر موطناً، ومنها (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم) (72 التوبة). وبذلك يبيِّن القرآن العظيم الأمر واضحاً جلياً. فآدم، الذي خلقه الله تعالى من هذه الأرض واستخلفه فيها، كان عليه أن يغادر هذه الأرض إلى جنةٍ فضائية تحتَّم عليه أن يهبط منها ليعود من جديد إلى هذه الأرض ليحيا فيها هو وذريته، ولتكون جنات عدن المآل الأبدي لكل مَن اهتدى بهدي الله تعالى فزُحزِح بذلك عن النار.

أضف تعليق