بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يخطئ البعض فيظن ويتوهم أن المخاطب بالآية الكريمة (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 24 الأعراف) هو آدم وحواء والشيطان. ومرد هذا التصور غير الصائب هو توهُّم صيغة المخاطَب التي جاءت بصيغة الجماعة، طالما كان آدم وزوجه اثنين والشيطان ثالثهما! وهذا التصور غير الصحيح ما كان لهذا البعض أن يقع فيه لو أنه فسَّر القرآن بالقرآن كما نصح بذلك حضرة سيدنا علي كرّم الله تعالى وجهه. لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (123-124 طه). يتبيَّن لنا بتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين أن المخاطَب المباشر هو آدم وحواء، وأن المخاطَب غير المباشر هو ذريتهما التي سيتوجَّب عليها أن تهبط معهما ضمناً. وبذلك تسقط حجة البعض ممن توهَّم صيغة خطاب الجماعة دليلاً على أنها تشمل الشيطان أيضاً. ولنتدبر أيضاً الآيتين الكريمتين (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (24-25 الأعراف). يتبيَّن بتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين أن صيغة خطاب الجماعة أوجبها الخطاب غير المباشر الذي توجَّه به الله تعالى إلى عموم أفراد الجنس البشري، ولا علاقة للأمر من قريب أو بعيد بالشيطان!
إن العداوة التي جرَّها على بني آدم وحواء أكلهما من الشجرة التي نُهيا عنها هي القدَر الإلهي الذي توجَّب على هذه الذرية أن تُبتلى بها قانوناً إلهياً لا مفر منه إلا بقدَر إلهي آخر وقانون إلهي آخر. ولمن لا يجد فيما تقدَّم ما يوجب عليه أن يقرأ “بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ” على أنها تعني بعضنا لبعض عدو، فليتذكر أن الله تعالى أمرَنا في قرآنه العظيم بأن نعادي الشيطان فنتخذه عدواً (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (6 فاطر)، (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (117 طه)، (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 22 الأعراف)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين) (208 البقرة). فلو كانت العداوة مقصود بها ذرية آدم والشيطان لما أمرنا الله تعالى أن نتخذ الشيطان عدواً!
إذاً يتبيَّن لنا أن القراءة الصحيحة لآيات “العداوة” هذه توجب علينا أن نخلص إلى أن المقصود بها هو ما نراه على أرض الواقع من آثار هذه العداوة كما يُجلِّيها هوَس الإنسان بمعاداة أخيه الإنسان؛ هذه المعاداة التي تنوَّعت صنوفاً شتى على مر العصور وتعاقب الدهور وباختلاف الأجناس والأعراق وتجسدت على أرض الواقع معارك وحروباً وجرائم ومشاعر حقد وحسد وغيرة وغير ذلك مما لا قدرةَ لمنصف على تجاهله والتغافل عنه.
