بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

لا سبيل هناك للتوفيق بين “العلم” والدين، طالما كان “العلم” يريد أن يفرض وصايةً على الوجود تكون له بموجبها الكلمة العليا ولغيره الكلمة السفلى! ولا يقدح في هذه الحقيقة ما بوسعك أن تجيء به من تطابق هنا أو هناك بين ما يقول به “العلم” وما يقول به الدين. فالتوافق إما أن يكون تطابقاً بالتمام والكلية وإلا فلا. وهذا ما ينبغي أن يدركه كل من توهَّم أن الدين و”العلم” وجهان لحقيقة واحدة. فالعلم لا يمكن له على الإطلاق أن يقبل بما يقول به الدين من أن هناك إلهاً قادراً على كل شيء، وذلك لأن هذه القدرة الإلهية المطلقة تتناقض مع العقيدة التي شيَّد “العلم” على أساسٍ منها بنيانه المعرفي. والقول بوجود هذا الإله الكلي القدرة يضطر “العلمَ” إلى الإقرار بما يجعل منه ملزماً بقبول إمكانية أن تكون القوانين التي تسنى له اكتشافها في هذا الوجود ليست كما يتوهم، طالما كان بمقدور هذا الإله الكلي القدرة أن يعطِّل منها ما يشاء وطالما كان بإمكانه أن يجيء بغيرها فيجعل الوجود تتجلى فيه وقائع وأحداث وظواهر لا يمكن للعلم أن يقبل بوجودها طالما تناقض حدوثها مع ما تسنى له الوقوع عليه من قوانين الوجود؛ هذه القوانين التي لا يمكن له أن يصدِّق أنها لا سلطة حقيقية لها على هذا الوجود مادام الله تعالى هو القاهر فوق كل شيء كما يقول الدين. فإذا كان الدين يقول بأن الله تعالى على كل شيء قدير، فإن “العلم” لن يرضى بأن يُقِر الدين على ما يقول به طالما كان الوجود محكوماً بقوانين يتوهم هذا “العلم” أن بمقدورها أن تحد من قدرة الله تعالى. إن “العلم” بوسعه أن “يقبل” بوجود إله شريطة أن يكون هذا الإله محدَّد القدرات بالقوانين التي تأتى لهذا العلم أن يقع عليها. وبذلك يكون “إله العلم” إلهاً لا يمكن للدين أن يرضى به طالما كان هذا الإله محدود القدرات، وطالما كان العلم هو من يحدد لهذا الإله ما بوسعه أن يفعله وما لا يفعله.

يكفي برهاناً على صحة ما أذهب إليه أن نتدبر الآيتين الكريمتين 71-72 من سورة القصص (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُون). فالله قادرٌ على أن يجعل الليل سرمداً إلى يوم القيامة قدرته على أن يجعل النهار سرمداً إلى يوم القيامة. وهذا ما لا يمكن للعلم أن يقبل به طالما كان الليل والنهار ظاهرتين يحكمهما قانون يظن العلم ويتوهم أنه نافذٌ دون أن يكون هناك من بمقدوره أن يعطِّل هذا القانون فيجعل الليل والنهار لا يعقب أحدهما الآخر.
إن الله تعالى يريدنا أن نعي وندرك أنه قادرٌ على كل شيء وأن قوانينه التي انضبط بها هذا الوجود لا توجب عليه أن يتقيَّد بها فلا يكون بمقدوره أن يعطِّلها إن شاء. وهذا ما ينبغي علينا أن ندركه ونعيه حتى لا نبقى أسيري أوهام من قبيل أن العلم والدين بإمكانهما أن يقبل واحدهما بالآخر دون قيدٍ أو شرط.
