ما بأيدينا خُلِقنا ضعفاء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

وخلق الإنسان ضعيفاتحدثتُ في منشورات عدة عن واحدٍ من أهم ما يتمايز به الإنسان عن غيره من المخلوقات البايولوجية، وهو ضعفه الخَلقي المتجلي بهذا العجز منه عن أن يكون ذا بُنية بمقدورها أن تجابه مسبِّبات الأمراض عجزاً يجني ثماره عللاً وأمراضاً لم تُبقِ مساحةً من هذه البنية المعتلة خِلقةً إلا وطالتها. وضعف الإنسان متجلٍّ أيضاً في هذا الذي يجعل منه ذا بُنية سايكولوجية هشة يجتاحها من “العلل النفسية” ما ليس باليسير حصره وإحصاؤه. وهذا الذي يتمايز به الإنسان عن غيره من المخلوقات البايولوجية أمرٌ لا قدرةَ للعلم الذي بين أيدينا على أن يعلل له، وذلك بالاستناد إلى ما يقول به هذا العلم من ماضٍ تطوري انتهى إلى ما حتَّم على الإنسان وجوب أن يكون متميزاً بهذا الضعف البنيوي. ولذلك كان “العلم” غير راغب في النظر إلى هذا الضعف المميِّز للإنسان، طالما كان إقراره به يستدعي ضرورة أن يراجع مسلَّماته التي ارتكز إليها في بناء تصوُّره عن الإنسان. ولو أن “العلم” أنصف لشرع بالبحث العلمي عن علة هذا الضعف الذي ميَّز الإنسان عن غيره من المخلوقات البايولوجية. عندها كان سيتوجب على هذا “العلم” أن يقر بأن بحثه العلمي هذا ليس بمقدوره أن يقع على ما جعل الإنسان يشذ عن “النظام الطبيعي” المميِّز لباقي كائنات الطبيعة.

وهذا الإقرار بالضعف الإنساني كان ليجعل من “العلم” أكثر تقبلاً لما جاء به الدين تعليلاً لهذا الضعف الذي ما كان للإنسان أن  يتميز به لو أنه كان حقاً كما يتصوره هذا العلم. كما أن إقرار “العلم” بضعف الإنسان كان ليجعل منه يؤيد ما جاء به الدين من حل إلهي بمقدوره أن ينتشل الإنسان مما هو عليه من ضعف طالما لم يكن بمقدور هذا العلم أن يعلل لضعفه هذا. وبذلك يتسنى “للعلم” أن يعيد صياغة تصوره عن الإنسان، وبما يكفل له أن لا تخالط هذا التصور أوهام بخصوص ما بمقدور هذا الإنسان أن يقوم به، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بما يُسمى بـ “القدرات الخارقة”. فالإنسان، على ما هو عليه من ضعف خَلقي، أعجز من أن يكون بمقدوره أن يتسبب في حدوث تلك الظواهر “الخارقة” التي يتوهم “العلم” أنه المسؤول عن حدوثها هذا. وبذلك تنفتح أمام “العلم” آفاق جديدة تتيح له التعرُّف على قوى وطاقات وكائنات لم يكن بمقدوره أن يصدق بوجودها طالما كان يصر على عدم تصديق ما جُبِل عليه الإنسان من ضعف خَلقي. وهذا ما سيعود على “العلم” بما يجعل منه قادراً على أن يتماهى مع “منهجه العلمي” الذي حاد عنه بإصراره “غير العلمي” على ألا ينظر إلى الإنسان فيراه الكائن الضعيف الذي لا يمكن أن يكون نتاج “تطور طبيعي” كما هو الحال مع باقي الكائنات الطبيعية.

إلا أن هذا ما لا ينبغي أن نتوقعه من “العلم”، طالما كان العاملون عليه بشراً يفتقرون إلى إرادة تجعل الواحد منهم يؤثر الحقيقة على “الوهم”. فالإنسان، كما يتصوره هؤلاء العلماء، كائنٌ افتراضي لا وجود له إلا في مخيلتهم. وبذلك سيتوجب على “الإنسان الحقيقي” أن يبقى أسير أوهام هؤلاء العلماء طالما لم يقوَ على نبذ واطِّراح ما يقولون به، وطالما لم يدرك أن الدين الذي جاءه من الله تعالى بوسعه أن يستعين به على صياغة تصورٍ لما هو عليه واقعاً وحقيقة.

أضف تعليق