واقع الإنسان وحقيقته بين أوهام “العلم” وحقائق الدين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

tree of knowledgeيريدنا العلماء أن نصدِّق ما يقولون به من أن “العلم” الذي جاؤونا به بمقدوره أن يقدم تصوراً عن الإنسان هو الأقرب إلى ما هو عليه واقعاً وحقيقة. ومرد ثقة العلماء المطلقة هذه أنهم ينظرون إلى “العلم” الذي بين أيديهم فيرونه قد غيَّر عالم الإنسان تغييراً ما كان للإنسان أن يحظى به لولاه. كما أن هذا “العلم” قد قدّم للإنسان تصوراً عن عالمه مكَّنه من فقه ما يحدث فيه من وقائع وأحداث وظواهر فقهاً خُيِّل إليه معه أنه أصبح بمقدوره أن يعرف كل شيء عن الوجود بدءاً مما حدث وأدى إلى نشأته، وانتهاءً بما سيؤول إليه أمره بعد بلايين السنين. فإذا كان بمقدور “العلم” أن يجعلنا عارفين بهذا الوجود، بدايةً ونهاية، وإذا كان هذا العلم قد مكَّن الإنسان من عالمه فجعل له السيادة المطلقةَ عليه، أفلا ينبغي علينا بالتالي أن نصدِّق كل ما يقول به بخصوص ما نحن عليه واقعاً وحقيقة؟! إن واقع الإنسان وحقيقته لم يتسنَّ للعلم أن يحيط بهما كما يحيط بعالم هذا الإنسان تفسيراً لأحداثه وتمكيناً للإنسان منه، إلا أننا مطالَبون بأن نصدِّق العلماء فيما يذهبون إليه من أن “العلم” الذي أثبت أن بمقدوره أن يفسِّر لنا العالم ويمكِّننا من إحكام سيطرتنا عليه، قادرٌ في الوقت ذاته على أن يقدِّم لنا تصوراً عن أنفسنا هو الأقرب إلى ما نحن عليه واقعاً وحقيقة، وبذلك يتوجب علينا أن نصدِّق ما يقوله لنا “العلم” عن أنفسنا التي لم يتمكن من الوقوع على حقيقتها، وذلك لمجرد أن هذا “العلم” قد نجح في الإحاطة بحقيقة العالم وبما مكَّننا من التحكم بمُقدَّراته والانتفاع بطاقاته وموارده فأصبحنا بذلك أسياده! وهذا ما لا ينبغي لعاقل أن يقبل به. فكيف يُراد لنا أن نصدق ما يقول به “العلم” عن حقيقتنا، التي لم يحط بها علماً، لمجرد أنه قد تسنى له أن يحيط علماً بالعالم من حولنا؟! إن السبيل إلى إرغامنا على القبول بما يقول به “العلم” عن حقيقتنا هو أن يكون بمقدوره أن يبرهن على قوله هذا قدرته على البرهان على ما جاءنا به بخصوص الوجود المحيط بنا. فلا يُعقل أن يكون برهان ما يقول به “العلم” عن حقيقتنا هو أنه قد تمكَّن من فقه الوجود المحيط بنا فقهاً مكَّن لنا من تفسير ما يحدث فيه وجعل بمقدورنا أن نحكم سيطرتنا عليه!

إن هذا وهم كبير لابد لنا من أن نفيق منه قبل فوات الأوان. إن العلم مطالَب بأن يقر بعجزه عن أن يحيط بما نحن عليه واقعاً وحقيقة طالما استحالِ عليه، وحتى ساعة إعداد هذا المنشور، أن يأتينا بـ “تصور علمي” لما نحن عليه، وبما يتكفل بجعلنا نقع على حلول لمشاكلنا التي تأبى أن تفارقنا على الرغم من كل هذا الذي تسنى لنا أن نحظى به على يد هذا “العلم” من مَدنية وحضارة ليس بمقدورهما أن تحولا دون أن يكون إنسان القرن الحادي والعشرين هو ذاته إنسان القرون الوسطى، وهو عينه إنسان الكهف، وذلك على قدر تعلق الأمر بالخبال الإنساني المتجلي عللاً نفسية شتى، ومعارك وحروب واقتتال لأتفه الأسباب! فلو أن “العلم” وقع على حقيقتنا لكان بمقدوره أن يعرف علَّتنا التي تجعلنا على هذا الذي نحن عليه من خبال واعتلال!

إن عجز “العلم” عن أن يكون بمقدوره أن يحيط بما نحن عليه، يقابله ما بمقدور الدين أن يقدّمه لنا من تصور لحقيقتنا يجعلنا ندرك العلة التي تسببت في جعلنا على ما نحن عليه، ويمكِّننا من إصلاح الاختلال الذي ابتُلينا به، جِبلةً وخِلقة، إن نحن تقيَّدنا بما جاءنا به من منهاج تعبُّدي يقدم لنا الدواء لما ابتُلينا به من داء. وإذا كان “العلم” يأبى إلا أن يسير وراء أوهام “المعرفة الزائفة”، فإن الدين قد جاءنا بحقائق ليس بمقدورنا أن نكتشفها طالما كان سبيل اكتشافها يتطلب منا ما ليس بمقدورنا أن نقوم به من ارتحالٍ في الزمان يُرجِعنا إلى ماضٍ لنا لم نكن فيه على هذه الأرض، يوم كنا هناك في جنةٍ في الفضاء نأكل من الشجرة التي اعتللنا بسبب من أكلنا منها فأصبحنا على ما نحن عليه.

أضف تعليق