بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ليس كل “السحر” سواء. فمعظم السحر ليس بسحر ولكنه ما يُظن أنه سحر. وهذا أمر متوقع من الإنسان الذي يريد على الدوام أن يكون العالم من حوله معقولاً ومفهوماً ومُعلَّلاً لما يحدث فيه من وقائع وأحداث وظواهر. فكل ما استعصى على عقل الانسان تفسيره لابد وأن يكون من وجهة نظره سحر. ولذلك كان حظ الأنبياء من أقوامهم أن وُصفوا بالسحرة. فالمعجزات التي أيَّد الله تعالى بها أنبياءه المرسَلين فسَّرها أقوامهم بأنها سحر طالما استعصى عليهم أن يجدوا لها تعليلاً يجعلها عندهم من المعقولات! ومازلنا نحن أحفاد تلك الأقوام ننتهج منهجهم في التعامل مع ما يعرض لنا من ظواهر نعجز عن تفسيرها فنسارع إلى وصفها بأنها “سحر”! واختلط بذلك الحابل بالنابل فأضحى كل ما هو غير مألوف سحراً حتى ولو كان ليس من السحر في شيء. ومن ذلك أن كثيراً من “الأعمال السحرية” التي نظن أنها من السحر هي في حقيقتها ليست أكثر من أعمال خِفَّة ومهارات بالإمكان تعلُّمها وتعليمها. وما تلك الأعمال التي يقوم بها الساحر على المسرح منا ببعيد.
غير أن هناك من “السحر” ما هو سحر حقاً وحقيقة. وهذا “السحر الحقيقي” هو ما وردت بشأنه في القرآن العظيم آيات عديدة أغلبها جاءت في سياق حديث الله تعالى عن سحرة فرعون. لنتدبر بعضاً من هذه الآيات الكريمة: (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيم) (116 الأعراف)، (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُون. فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (80-81 يونس)، (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى. قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (65-66 طه).
فهذا الذي كان بمقدور هؤلاء السحرة القيام به هو من السحر الذي لا علاقة له بأعمال الخفة وغيرها من الأعمال السحرية التي يستعرضها سحرة المسارح. فهذا السحر المصري القديم هو من السحر الذي أشار إليه القرآن العظيم في سياق حديثه عن “الشياطين الذين كانوا يعلِّمون الناس السحر وما أُنزِل على الملكَين ببابل هاروت وماروت”: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون) (102 البقرة). فالسحر الحقيقي لا علاقة له بسحر المسارح، فهو علمٌ جاءت به الشياطين، وهو بذلك حقيقي كأية مفردة من مفردات هذا الوجود. ولذلك فلا سبيل هناك لإبطال هذا “السحر الحقيقي” إلا بتدخل إلهي مباشر يُبطله. وهذا ما حدث على يد سيدنا موسى عليه السلام، وذلك بأن صيَّر الله تعالى عصاه حيةً ابتلعت حبال وعصي السحرة التي خُيِّل لكل من رآها أنها أفاعٍ تسعى.
