غوامض الوجود بين عجز العلم وتفوق الدين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

قلا أقسم بما تبصرون وما لا

الوجود كما يتصوره العلم لا وجود له إلا في مخيلة العلماء الذين أسسوا لـ “خيالهم العلمي” هذا مستندين إلى ما توهموا أنهم قد وقعوا عليه من حقائق هذا الوجود التي ظنوا أنها كافيةٌ لصياغة هذا التصور! فالوجود، على ما هو عليه حقاً وحقيقةً، فيه من الغوامض أكثر مما فيه من الظواهر. وهذه حقيقةٌ تجريبية-اختبارية وقع عليها العلم وشهدت لها مسيرته التطورية مذ كان العلم منظومةً معرفيةً يختلط فيها الواقع والخيال حتى أضحى على ما هو عليه اليوم بنياناً معرفياً شُيِّد على أساسٍ من ظواهر هذا الوجود لَبِنات يشدُّ بعضها إلى بعض نظريات فيها من الخيال وكينوناته ما يفوق خيال الأقدمين! فالعلم إذ يتطور، فإنه يزداد استيعاباً لما في هذا الوجود من ظواهر تتيح لمن يبحث فيها أن يكتشف القوانين التي تحدث بموجبها. وكلما ازدادت حصيلة ما في جعبة العلم من ظواهر الوجود إزداد ما يقع عليه من قوانينه. إلا أن ما فات هذا “العلم الظاهري” هو أن ما تسنى له الوقوع عليه من ظواهر هذا الوجود لا يمثل كل ما فيه. فما تأتى للعلم أن يشيِّد بُنيانه المعرفي على أساس منه هو “ظواهر” هذا الوجود لا “بواطنه”، طالما كانت هذه “البواطن” هي بحكم التعريف مما ليس باليسير على هذا العلم أن يحيط بها إحاطته بـ “الظواهر”. وظواهر الوجود هي وقائعه وأحداثه، التي وإن دقَّت مادتها وتلطَّفت توارياً عن أنظارنا، فإنها تبقى “ظاهرةً” لما تأتى للعلم أن يُصنِّعه من أجهزةٍ بوسعها أن تنظر إليها فتراها كما نرى الأشياء من حولنا. إلا أن مما فات هذا العلم هو أن الوجود بظواهره هذه يبقى زاخراً بوقائع وأحداث ليس بمقدوره أن يحيط بها طالما كانت أجهزته محدودةً بحدود هذه الظواهر. وهذه الأحداث والوقائع التي نعجز عن رؤيتها بأعيننا المجردة، عجز أجهزتنا عن إبصارها، هي بواطن هذا الوجود التي تلطَّفت فتوارت عن أنظارنا وأنظار أجهزتنا. وبذلك يتبيَّن لنا السبب من وراء كون التصور، الذي تأتى لنا أن نكوِّنه عن الوجود، لا يمكن على الإطلاق أن يمثل ما هو عليه الوجود حقاً وحقيقة، طالما كان هذا التصور يستند إلى ظواهر هذا الوجود فحسب. فالوجود “الحقيقي” مغيَّب عنا، طالما غُيّب عنا إدراك بواطنه. وبذلك يبقى كل حظنا من هذا الوجود هو ظواهره التي لن نتمكن بوساطةٍ منها إلا أن نشيِّد “وجوداً واقعياً” يريدنا العلماء أن نصدِّق أنه “الوجود الحقيقي”.

وقد يظن البعض أن ما تقدم لا يمكن بحال أن يكون واقع الحال. وأذكِّر هؤلاء أن بواطن الوجود حقيقية كما هي ظواهره، وذلك بشهادة وبرهان ما يسمى بـ “الظواهر الخارقة”. فهذه الظواهر تحدث على الرغم مما يقول به العلم من استحالة حدوثها، لتناقض ذلك مع ما يوجبه تصوره العلمي للوجود الذي لم يأخذ بالحسبان بواطن الوجود المتوارية عن أنظار العلماء وأجهزتهم والتي تحدث هذه الوقائع والأحداث بمدد منها.

وإذا كان العلم عاجزاً عن أن يعلِّل لهذه الظواهر الخارقة المناقضة لتصوره العلمي عن الوجود، فإن الدين، بالمقابل، بمقدوره أن يقدم تعليلاً لها يستند إلى ما جاءنا به من علم إلهي يؤكد أن هذا الوجود فيه من البواطن ما يفوق ما فيه من الظواهر. وهذا التعليل الديني للظواهر الخارقة يُرجع حدوثها إلى ما تقوم به كائناتٌ عاقلة غير بايولوجية يسمِّيها “الجن والملائكة”. وهذه المخلوقات، العاقلة غير البايولوجية، هي “دليل ديني” على أن هناك في هذا الوجود “بواطن” كما أن فيه “ظواهر”، وأن هذه البواطن كان لها أن تجعلنا نتصور الوجود تصوراً يختلف بالتمام والكلية عن “التصور العلمي” له لو أنه قُيِّض لنا أن نحيط بها كما نحيط بظواهره.

يتبيَّن لنا إذاً أن “التصور الديني” للوجود يتفوق على التصور العلمي له، طالما كان بمستطاع الدين ما يعجز عنه العلم، وطالما كانت بواطن الوجود هي ظواهر من منظور الدين.

أضف تعليق