بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

من بين أكثر التفاسير شيوعاً لما ينطوي عليه المقطع الكريم “الأول والآخِر” من الآية الكريمة 3 من سورة الحديد (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) من معنى، تفسير “الأول” بأنه “الأول قبل كل شيء”، و”الآخِر” بأنه “الآخِر بعد كل شيء”. وإذا كنت لا أجد ما يمنعني من قبول هذا التفسير لـ “الأول”، فإنني لا أتفق مع تفسير “الآخِر”. فالله تعالى هو الأول مادام لم يكن هناك من شيء قبله. ولكن أن يكون الله تعالى هو الآخِر بعد كل شيء، فإن هذا لا يتفق مع ما جاء به الدين من أن الله تعالى سيخلِّد الجنة وأصحابها، والنار وأصحابها، إلى أبد الآبدين. فكيف يكون الله تعالى وحده هو الآخِر بهذا المعنى إذاً؟!

وإذا كنتُ لأفسِّر “الأول” و”الآخِر”، فإن لي أن أذهب في ذلك مذهباً يجعلني أقول: “الله هو الأول الذي خلقَ فكان كلُّ شيء. والله هو الآخِر الذي لا يحتاج إلى إلهٍ آخَر غيرَه شيءٌ”. فـ “الآخِر” يعني انتفاء حاجة الوجود إلى إلهٍ آخَر غير الله، طالما كان تعالى قادراً على كل شيء. وهذا التفسير لـ “الآخِر” يذكرنا بتفسير “اليوم الآخِر”، والذي هو اليوم الذي لا يومَ آخَر بعده.
أما “الظاهر والباطن”، فإن بالإمكان تفسيرهما بدلالةٍ من التدخل الإلهي في أحداث هذا الوجود. فالله بتدخُّله في أحداث الوجود تدخلاً مباشراً يكون “ظاهراً” إذ لا قدرةَ لسببٍ من الأسباب، التي خلقها تعالى لتتكفل بتسيير الوجود، على أن يعلِّل لما نجم عن تدخُّله الإلهي هذا. واللهُ تعالى “باطنٌ” من وراء كل سببٍ من هذه الأسباب التي لولاها ما كان لأحداث هذا الوجود أن تحدث.
إذاً فالله “ظاهرٌ” بتدخله المباشر، وباطنٌ بتدخله غير المباشر، في أحداث الوجود.
