بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

من بين أهم ما يتمايز به الإنسان عن الحيوان عجزه عن أن يحظى بسعادةٍ حقيقية. فالحيوان سعيدٌ في بيئته طالما لم ينغِّص عليه سعادتَه إنسان، إلا إذا ما كان هذا الإنسان ممن أنعم الله تعالى عليه بنعمة الرفق بالحيوان. والحيوان السعيد في بيئته يذكرنا على الدوام بكل حيوان يعاني الأمرَّين شقاء في كل بيئة هي غير بيئته التي خلقه الله تعالى ليسعد فيها. والحيوان ما عرف الشقاء إلا على يد الإنسان الذي تفنن في سومه صنوف العذاب. والحيوان بعيداً عن الإنسان، في بيئته الطبيعية، سعيدٌ يرتع ويلعب طالما لم يكن هناك إنسانٌ ينغِّص عليه طيب عيشه.

وإذا كان الحيوان سعيداً في بيئته التي خلقه الله تعالى متناغماً معها، متوافقاً مع قوانينها، متجانساً مع باقي مفرداتها، فلماذا لا يسعد الإنسان في “بيئته”، أُسرةً كانت أم جماعةً أم مجتمعاً؟ ألا يدل هذا على أن شقاء الإنسان يعود إلى أنه، وعلى خلاف الحيوان، يعيش بعيداً عن “بيئته الطبيعية” التي لو قُيِّض له أن يعيش فيها لما كان على هذا القدر من البؤس والتعاسة؟ إن العلم الذي بين أيدينا عاجزٌ عن أن يعلل لهذا الذي يجعل من الإنسان شقياً، على الرغم من كونه يرفل بكل ما يُظن أنه من أسباب السعادة ثراءً وجاهاً. فما الذي يجعل الشقاء قدَر هذا الإنسان فلا يأبى أن يفارقه حتى وهو يتنعم بلذيذ العيش؟ ألا يدل هذا على أن هناك في ماضي الإنسان ما يعجز العلم الذي بين أيدينا عن الإحاطة به؟ فلو كان ماضي الإنسان هو حقاً كما يتصوره هذا العلم، لكان بمستطاعه أن يعلل لهذا الشقاء الذي لا قدرة للإنسان على العيش بدونه.
وهكذا، وفي الوقت الذي يعجز العلم عن التعليل لما هو عليه الإنسان من بؤس وشقاء وعناء، فإن الدين، بالمقابل، يعلِّمنا أن الإنسان محتَّم عليه أن يشقى طالما ظل بعيداً عن “بيئته الطبيعية” التي خلقه الله تعالى ليحيا فيها. وبيئته الطبيعية هذه هي التي تتشكل بتحقيق الإنسان الغاية التي خُلق لأجلها، وهي عبادة الله تعالى. فهذه العبادة هي التي بمقدورها أن تجعل الإنسان المتحلي بها يسعد سعادةً حقيقيةً تُذكِّر بسعادة الحيوان في بيئته الطبيعية.
فإذا أردتَ أن تكون ممن سعدوا في الدنيا والآخرة، فالطريق واضحٌ أمامك: أعبد الله تعالى الذي خلقك لتعبده فتسعد بعبادته ولم يخلقك لتعبد غيره فتشقى.

