بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ما كان ليتأتى لنا الوصول إلى العلم الذي بين أيدينا لولا ما وقع عليه العلماء من ظواهر هذا الوجود، رغم أن هذا العلم لم يقتصر على هذه الظواهر وإنما تعداها إلى ما خالطها من نظريات جاء بها العلماء ظناً منهم وتوهماً أن بمستطاعها أن تسبر أغوار ما توارى عن أنظارهم، وأنظار أجهزتهم، من طيات وطبقات هذا الوجود. وهذه النظريات كانت لتصف لنا ما خفي لو أنها كان قد تسنى لها الوقوع عليه حقاً، ولكنها ظلت أسيرة خيال العلماء فلم تفارق مخيَّلتهم قط. وبذلك لم يتسنَّ لهذه النظريات أن تجعلنا ندرك ما خفي وتوارى عن أنظارنا وأنظار أجهزتنا. ونحن إذا ما أردنا أن يقتصر “علمنا” على ما هو واقعي، فلا مناص من أن نطَّرح جانباً كل هذه النظريات ونكتفي بظواهر الوجود مادةً وحيدةً ليس لهذا لعلم من مورد آخر يبني على أساس منه صرحه المعرفي. وبذلك يصبح ما بين أيدينا مادة يتشكل منها ما بوسعنا أن نسميه “العلم الواقعي”. أما العلم الحقيقي، فهو ما ينبغي أن نفترض وجوده طالما كان “العلم الواقعي” هذا مادته ظواهر الوجود، وطالما لم يكن هناك من سبيل لهذا العلم أن يصل إلى بواطنه. وبذلك يكون “العلم الحقيقي” هو علم ظواهر الوجود وبواطنه. وبواطن الوجود هذه حقيقية طالما كان بمقدور أجهزة العلم أن تحيط بالكثير مما استحال على أعيننا أن تبصره. فإذا صح لدينا أن هناك ظواهر تستعصي على أبصارنا فلا سبيل إلى رؤيتها بأعيننا المجردة، وأن هذه الظواهر قد تمكنَّا من الإحاطة بها بوساطةٍ من أجهزة العلم، فمن المنطقي بالتالي أن نفترض أن هناك “ظواهر” ليس لهذه الأجهزة من قدرةٍ على الوقوع عليها لفرط تلطُّفها الذي جعلها تتوارى وتختفي بعيداً عن أي إدراك. وهذه “الظواهر” هي بواطن الوجود التي لا قيام للعلم الحقيقي إلا على أساسٍ منها. وهكذا يتبيَّن لنا الفرق بين العلم الذي بين أيدينا، والذي لا يمكن بحال أن يكون غير علم واقعي، وبين العلم الحقيقي الذي قوامه ظواهر الوجود وبواطنه. وهذا العلم الحقيقي هو العلم الذي بوسعنا أن نقول عنه إن الدين يتفق معه تمام الاتفاق، طالما كان الدين قد جاءنا بنبأ يقين بأن هناك للوجود بواطن كما أن له ظواهر.
