الطبيعة إذ تطغى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ان الإسان ليطغىالطبيعة إذ تطغى، فإنها بذلك تطيع الله تعالى الذي عرض عليها يوماً الأمانةَ فأبت أن تحملها فسلّمت بذلك أمورها كلها جميعاً إلى يد بارئها. والإنسان إذ يطغى، فإن طغيانه أمرٌ مفهوم طالما جاء تعبيراً عن ظلمه وجهله إذ حمل ما أبت الطبيعة أن تحمله، فما رعى الأمانة حق رعايتها بعصيانه لخالقه عز وجل. وما نراه من كوارث طبيعية، زلازل وبراكين وعواصف عاتية وأعاصير وفيضانات مدمِّرة، هو غيظٌ من فيض طغيان الطبيعة الذي ما كان لها أن تظهره إلا امتثالاً منها لما أمر به الله تعالى، وهو بذلك يختلف بالتمام والكلية عن طغيان الإنسان الذي هو علامة امتثاله وإطاعته لما تأمر به نفسه الأبية الحرون. وشتان ما بين من يطيع ربه وبين من يطيع هواه!

لنتدبر بعضاً من الآيات الكريمة التي يتبيَّن بتدبُّرها الفرق بين الطغيانين، طغيان الطبيعة وطغيان الإنسان: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (24 طه)، (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى. وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى) (50-52 النجم)، (فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى) (37-39 النازعات)، (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (6-7 العلق). (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (15 البقرة)، (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (من 64 المائدة).

فطغيان الإنسان فعلٌ مخالفٌ للطبيعة، وهذا أمرٌ متوقَّع من الإنسان الذي شذَّ عن الطبيعة وتناشز معها بأكل أبويه من الشجرة التي نُهيا عنها. قارن هذا بطغيان الماء الذي صيَّره الله طوفاناً أغرق قوم سيدنا نوح عليه السلام (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (11 الحاقة). فالماء طغى مطيعاً أمر الله تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) (40 هود). وطغيان الماء هذا لم يكن إلا بتدبيرٍ إلهي بتدخلٍ مباشرٍ من الله تعالى (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِر. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِر) (11-12 القمر). إذاً فطغيان الطبيعة علامةٌ من علامات امتثالها لأمر الله تعالى طالما كانت طائعةً لله مطيعة له. أما طغيان الإنسان، فهو علامة كفره بالله تعالى وعصيانه له. وبذلك يؤصِّل القرآن العظيم لما هو عليه الإنسان من تباينٍ صارخ مع الطبيعة التي لا ينبغي أن نصدِّق ما يقوله العلماء من أن الإنسان مفردةٌ من مفرداتها لا تناشز بينه وبين كائناتها الطبيعية.

أضف تعليق