إنهيار حضارة المادة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

نعيش عصر المادة بأبهى تجلٍّ له تسنى للبشرية أن تحظى به منذ نشأتها. وعصر المادة هذا قد انبهر به أهله حتى ما عادَ بمقدور واحدهم أن يصدِّق أن مصيره إلى زوال طالما زالت من قبله امبراطوريات وحضارات من بعد أن سادت حتى خُيِّل لأهلها أنها باقيةٌ أبد الدهر! وزوال الأشياء متحقق بطريقتَين لا ثالثة لهما؛ الأولى زوال “طبيعي” يحققه الله بتدخُّله الإلهي غير المباشر من وراء حجابٍ من الأسباب التي خلقها تعالى فجعلها متكفلةً بتقويض الأركان وتدمير ما كان. والثانية زوال “غير طيبيعي” يحققه الله بتدخُّله الإلهي المباشر في أحداث الوجود دون أن تكون هناك أسباب.

وإذا ما استعرضنا تاريخ حضارات الإنسان وامبراطورياته على مر العصور وتعاقب الدهور في كل زمان ومكان، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبين أن الغالبية العظمى من هذه الحضارات والامبراطوريات قد زالت، وأصبحت أثراً بعد عين، بتدخُّلٍ إلهي غير مباشر وبوساطة من أسباب عالم الحجاب. وهذه الأسباب، وإن تعددت، فإن بالإمكان إحصاؤها وحصرها في حزمةٍ موصولةٍ بما جُبِل عليه الإنسان من نفسٍ ليس بالعسير إيراد ما تتصف به من قبيح صفاتٍ هي كفيلةٌ بإسقاط أعظم الحضارات وأعتى الامبراطوريات. إلا أن هناك من حضارات الإنسان وامبراطورياته ما كان زوالها بتدخلٍ إلهي مباشر دون أن تتسبب في ذلك أسباب عالم الحجاب. ولنا في قصص القرآن العظيم أمثلةٌ على هذا التدمير الإلهي، كما يتجلى في زوال وفناء أقوام الكثير من الأنبياء. وما زوال قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط وقوم شعيب منا ببعيد. وهذا الزوال متحقق بتدخل إلهي يُذكِّر به على الدوام خسف الله تعالى بقارون الأرض (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِين) (81 القصص). وهذا الخسف هو من بين تقنياتٍ إلهية عدة أجمَلتها الآيتان الكريمتان التاليتان: (قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) (26 النحل)، (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) (23 الفرقان).

وحضارة عصر المادة التي نعيشها قد نظن ونتوهم أن لا زوال لها فننسى بذلك أن الله تعالى قادرٌ على أن يجعلها تزول وتفنى بتدخلٍ إلهي مباشر من لدنه، طالما لم يكن الأمر ليقتصر على أسبابٍ قد يبدو للناظر إلى هذه الحضارة أن لا وجود لها.

أضف تعليق