كلمة الفصل يوم الفصل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

إن الحكم إلا لله“يوم الفصل” من أسماء يوم القيامة في القرآن العظيم. ولقد ورد “يوم الفصل” في هذا القرآن ست مرات، منها (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) (40 الدخان). ولقد ذكر القرآن العظيم “يوم الفصل” متوارياً بين ثنايا “كلمة الفصل” وذلك في الآية الكريمة (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (من 21 الشورى). و”كلمة الفصل” هي مختصر قرآني أصله “كلمة يوم الفصل”. وبذلك يكون معنى هذه الآية الكريمة “ولولا أن الله قد أجَّل القضاء بين عباده إلى يوم الفصل، لقضى بينهم في حياتهم الدنيا”. وهذا التأجيل الإلهي للفصل فيما يختلف فيه الناس هو من آياته تعالى الدالة عليه.

والله إذ يفصل بين عباده يوم الفصل فيما كانوا فيه يختلفون في الحياة الدنيا، فإن فصله سيكون الفصل الحق إذ سيُفصَل بين الناس، فمنهم مَن سيُزَج به مخلداً في النار، ومنهم مَن سيُدخَل الجنة خالداً فيها أبداً (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (17 الحج)، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (25 السجدة).

وبهذا الفصل الإلهي للناس إلى فصيلين لا ثالث لهما يتجلى لنا معنى “خير الفاصلين” الذي ورد في الآية الكريمة (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (من 57 الأنعام). وهذا هو “فصل الخطاب” الذي جاء ذكره في القرآن العظيم مرة واحدة، وذلك في الآية الكريمة 20 ص (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ). فإذا كان سيدنا داود عليه السلام قد أوتي فصل الخطاب، فإنه قد أوتيه من الله تعالى الذي خطابه فصل الخطاب. والفصل الإلهي يوم الفصل بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون في حياتهم الدنيا، هو “القول الفصل” الذي لا رجعة فيه طالما كان الله هو مَن سيُفصَل بينهم إلى تخليدٍ في النار أو في الجنة. والفصل هذا هو ما أشارت إليه آيات قرآنية كريمة بصياغات عدة، منها: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُون. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ) (14-16 الروم)، (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) (43-44 الروم). فإذا كانت هذه الحياة الدنيا يختلط فيها الحابل بالنابل، والصالح بالطالح، فإن الآخرة هي “دار الفصل” إذ سيفصل الله تعالى بين عباده تخليداً في النار أو في الجنة. وهذه “حقيقة مرة” لا ينبغي لنا ألا نتذوقها لفرط مرارتها. ولنتذكر على الدوام ما استطعنا الكلمات القرآنية التالية: (لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (3 الممتحنة).

أضف تعليق