بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعلِّمنا القرآن العظيم أن الإنسان خُلق ضعيفاً. ومن علامات ضعف الإنسان أنك تجد كثيراً من “العقائديين” يضعف الواحد منهم فلا يقوى على مطالبة الزوجة أو الأبناء بما لا يفتأ يطالب به الآخرين. وهذا “الضعف” بوسعنا أن نجد عليه أمثلةً في القرآن العظيم. لنتذكر “ضعف” سيدنا نوح عليه السلام الذي تجلى في إشفاقه على إبنه، كما بيَّنته الآية الكريمة 45 من سورة هود (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ)، ولنتذكر حرص سيدنا إبراهيم عليه السلام على الاستغفار لأبيه والدعاء له (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) (47 مريم)، (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) (86 الشعراء). ومن تجليات هذا الضعف الإنساني ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبر الآية الكريمة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (1 التحريم). ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بأن يتصدوا لهذا الضعف الذي جُبِل عليه الإنسان خِلقةً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (23 التوبة).
ولقد امتدح القرآن العظيم الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، فوصفهم بأنهم “حزب الله”، وذلك لأن واحدهم لم يستسلم لما يدعوه إليه “ضعفه الإنساني” من موالاة مَن عادى الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولو كانوا أولي قربى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (22 المجادلة). وهذا ما أكَّدته الآية الكريمة (وما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (113 التوبة).
ولقد أشادَ الله تعالى بسيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه، وذلك بأن ذكر أنهم للمؤمنين أسوةً حسنة بهذا الذي كانوا عليه من صلابة إيمان تجلى في مواجهتهم قومهم آباءً وأبناء وأخوة وزوجات وعشيرة متصدِّين لما كان عليه القوم من كفر بالله وإشراك به؛ هذه المواجهة التي بلغت أوجها في تبرُّؤ سيدنا إبراهيم عليه السلام، ومن معه، من قومهم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير. رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (4-6 الممتحنة).
على أن سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يكن ليواصل استغفاره لأبيه إلى ما لا نهاية؛ فلقد جعل هذا الاستغفار مأجولاً بموعدِ تبيُّنه واستيقانه ألا رجاء هناك في أبيه ولا أمل، فكان أن تبرَّأ منه وذلك مصداق قوله تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (114 التوبة).
إذاً قد “يضعف” الواحد منا أمام من يحب فينسى أن الله تعالى لا تقيِّده كلمات من مثل “من أجل عين تُكرَم ألف عين”، وأنه تعالى لا ينظر إلى عمل الإنسان بعين أبيه أو إبنه، وأن ليس للإنسان إلا سعيه الذي سوف يحاسبه عليه دون أن يقبل وساطةً أو استغفاراً، طالما كان المتوسَّط له عدواً له تعالى، ولكن ما يميِّز من آمن حقاً بالله واليوم الآخر، أن الواحد منهم يسمو فوق هذا الضعف الإنساني سمواً يجعله لا يتردد في التبرؤ ممن أحب قلبُه طالما لم يكن في جوفه سوى هذا القلب (مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) (من 4 الأحزاب).
