هل الإنسان دابة؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ما من دابة

يتوهم البعض فيظن أنني أُغالي في حملتي الشعواء على الإنسان منتصراً للحيوان عليه! وهذا البعض قد يحتج عليَّ فيُحاججني بأن القرآن العظيم قد ذكر الإنسان والحيوان وأشارَ إليهما بكلمةٍ يُفهم منها كلاهما؛ وهذه الكلمة هي “الدابة”. فالدابة، لغةً، هي كل ما يدب على الأرض ويكون له دبيبٌ تسمعه الأذن. وبذلك يكون كل من الإنسان والحيوان “دابة”. وإذا كان هذا ما تقضي به اللغة، فإن القرآن العظيم يقول خلاف ذلك. فـ “الدابة” في القرآن العظيم هي “الحيوان”، وإن كان هناك من آيات “الدابة” ما قد يتوهم البعض فيظن أنها تشير إلى الإنسان أيضاً.

لنتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (61 النحل)، (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) (45 فاطر). يتبين لنا بتدبُّر هاتين الآيتين الكريمتين أن الله تعالى يشير بكلمة “الدابة” إلى حيوان الأرض، ويقصد بإشارته هذه ما يُفهم منه أنه ما كان ليُبقي على الأرض من حيوان لولا أن الأمور مأجولةٌ بآجالها.

إذاً فالدابة في القرآن العظيم هي الحيوان، وهذا ما بالإمكان تبيُّنه بتدبُّر المواطن الأربعة عشر التي وردت فيها هذه الكلمة. ومن هذه المواطن الآية الكريمة 82 من سورة النمل (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ). فلو كانت هذه الدابة إنساناً، لا حيواناً، لما كانت لتكون آيةً للموقنين.

إن الإصرار على أن تكون كلمة “الدابة” في القرآن العظيم تعني الحيوان والإنسان، سيتسبب في وقوعنا في أخطاء كارثية، ومنها أننا سنقرأ الآية الكريمة 29 من سورة الشورى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) قراءةً خاطئة تجعلنا نتوهم فنظن أنها تشير إلى أن هناك في السموات بشراً أمثالنا. أما القراءة الصحيحة لها فستكون بأن لا تعني كلمة “الدابة” إلا الحيوان، فيكون المقصود بالتالي هو ما بثَّه الله تعالى في السموات وفي الأرض من حيوان.

أضف تعليق