بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
التلسكوب أداة مكَّنت الإنسان من النظر في أعماق الفضاء ويسَّرت له رؤية ما لم يكن بمقدوره أن يبصره بعينه المجردة، فكان أن انفتحت أمامه عوالم جديدة تتشكل من آلاف الملايين من المجرات المتكونة بدورها من آلاف ملايين النجوم. والتلسكوب جهازٌ فلكي يتيح للإنسان التعامل البصري مع أجرام فضائية تبعد عنه ملايين السنين الضوئية.
والنملة حشرة صغيرة بوسعك أن تدرسها بعينك المجردة، أو بأن تستعين بعدسة مكبرة. ومن نافلة القول إنك لا تحتاج إلى التلسكوب لتدرس النملة! وكل من يروم أن يدرس النملة، مستعيناً بالتلسكوب، هو إما جاهل أو مجنون! وإذا كان هذا هو وصف مَن يسلط التلسكوب على النملة ليدرسها، فما الذي بوسعك أن تصف به مَن سلَّط عقول مؤسساته البحثية على “وطننا العربي” محاولاً أن يتبيَّن السبيل للتعامل المجزي معه ليخرج بنتيجةٍ مفادها أن خير وسيلةٍ للقضاء على “الشعور القومي” تكمن في الانتصار “للحس الديني”؟!
لقد جلب الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على نفسه، وعلى العالم، المصائب والويلات بانتصاره للتيارات التي رفعت راية الإسلام، والإسلام منها براء، وذلك في محاولة منه للتصدِّي للمد القومي الذي اجتاح الوطن العربي بعد ثورة 23/يوليو/1952 بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله تعالى. وهذا الانتصار الجائر هو الذي تسبَّب في تغوُّل هذه التيارات حتى أصبحنا اليوم نعاني الأمرَّين من شرورها في كل بقعةٍ من بقاع العالم. ولو أن مؤسسات الغرب الفكرية (Think tanks) كانت بحق على أبسط قدر من العقل السليم، لاستطاعت أن تدرك أن الخطر الذي كانت تمثله “ظاهرة جمال عبد الناصر” لم يكن ليتجاوز حدود الوطن العربي من “الخليج الثائر” إلى “المحيط الهادر”، وذلك بالمقارنة مع الخطر الداهم، الذي يمثله المتشدقون بالإسلام، على العالم برمته من أقصاه إلى أقصاه. فماذا كان ليضير الغرب لو أنه لم يناصب جمال عبد الناصر العداء؟ إن كل ما كان يسعى إليه جمال عبد الناصر هو أن تقوم للعرب قائمة فيتسنى لهم بذلك أن يعيشوا موحَّدين بعيداً عن الاستعمار وأعوانه وأذنابه. وجمال عبد الناصر لم يخطر له ببال أن تمتد امبراطورية “الوطن العربي” خارج الحدود الجغرافية لهذا الوطن! فهل عادَ تلسكوب الغرب عليه إلا بهذا الذي أصبحنا مضطرين إلى التعايش معه على مدار الساعة من إرهاب جبان مسلَّط على رؤوسنا كلنا جميعاً، ما كان لنا أن نشقى جراءه لو أن الغرب اكتفى بأن ينظر إلى النملة من دون أن يستعين بهذا التلسكوب الأحمق؟!
