بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ليس بالغريب أن تتصارع الامبراطوريات وتعمل الواحدة على زوال الأخريات لتنفرد بالعالم طولاً وعرضاً. فالإنسان مجبولٌ على مناصبة العداء لأخيه الإنسان. وهذا العداء تتنوع أسبابه حتى يغدو من العسير عليك أن تحصيها وتحصرها. ولا يكفي للتعليل لهذه العداوة المتأصلة بين بني آدم أن تُسبب لها بأي من هذه الأسباب، أو بأي تشكيلةٍ منها، أو بها مجتمعةً. فالعداء بين بني آدم لا يمكن أن تعلِّل له إلا علةٌ واحدة بوسعنا أن نحيط بظاهرها بتذكرنا ما جرَّه علينا أكل والدينا من الشجرة التي نُهيا عنها يوم أن كانا في جنة الله. فلقد نبَّأنا القرآن العظيم أن الإنسان سيهبط إلى الأرض ليكون الواحد منا عدو الآخر (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه). وهذا قانونٌ إلهي لا مفر منه إلا بتدخُّلٍ إلهي مباشر. وهذا القانون تتنوَّع تجلياته فيتجلى بموجبه العداء البشري هذا صنوفاً شتى. فكل ما يجتاح المرء من مشاعر البغض والكره، وكل ما يُقدم عليه من عمل يضر الآخرين، وصولاً إلى القتل، هو من تجليات هذه العداوة الكامنة جمراً تحت رماد ما نظن أنها “محبةٌ” أو “صداقةٌ” أو “تعاطف”، أو ما إلى ذلك من مشاعر وأحاسيس تواضعنا على الاعتقاد بأنها ما يعرِّفنا كبشر!
هذه مقدمة أجدها ضرورية قبل الولوج إلى ما انتهى إليه تصارع الامبراطورية الأمريكية والامبراطورية السوفيتية من انفراد للأولى بالعالم دفع ثمنه ملايين البشر في “حرب باردة” طالت ما يقرب من خمسة عقود! فإذا كان القدر قد كتب للامبراطورية الأمريكية أن تسود، فإن هذه السيادة لم تكن لأنها تفوقت على الامبراطورية السوفيتية بما جعل منها تستحق أن تسود. وإذا كانت الامبراطورية السوفيتية قد زالت وتلاشت، فإن هذا الزوال والتلاشي لم يكن مردُّه إلى ما اعتور بُنيتها من اعتلال واختلال جراء فشل “النظرية” أو سوء “التطبيق”، كما يريدنا البعض أن نظن ونتوهم! وسوف أعود لأتحدث عن هذا السقوط المدوِّي للامبراطورية السوفيتية في منشور لاحق إن شاء الله، وأكتفي في المنشور الحالي بالتنديد بإحدى الاستراتيجيات التي انتهجتها الامبراطورية الأمريكية في محاولتها إسقاط الامبراطورية السوفيتية. وهذه الاستراتيجية هي ما قامت به من مناصرةٍ جائرةٍ للتيارات التي رفعت راية الإسلام والإسلام منها براء.
لقد فات منظِّرو الامبراطورية الأمريكية أن العمل على إسقاط أية امبراطورية منافسة لا يكون بمساندة قوةٍ تطمح لأن تكون امبراطورية هي الأخرى! أنظر إلى ما جرَّته هذه المناصرة لهؤلاء الإرهابيين من شر وبيل على الغرب وعلى العالم! ومن سخريات الأقدار أن مناصرة الامبراطورية الأمريكية لهؤلاء المتشدِّقين بالإسلام لم يكن لها أي دور على الإطلاق في إسقاط الامبراطورية السوفيتية، وبذلك يكون كل ما تسببت به هذه المناصرة الجاهلة أن قوَّت من شوكة هؤلاء الإرهابيين وبثَّت في قلوبهم المتحجرة الأمل بأن تكون لهم امبراطوريتهم التي تكفل لهم أن يحكموا العالم من أقصاه إلى أقصاه!
