كتاب “الذي عنده علمٌ من الكتاب”

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 

لـ “الكتاب” في القرآن العظيم معانٍ عدة. وهذه المعاني العديدة يحددها السياق الذي ترد فيه كلمة “الكتاب”. ومن معاني “الكتاب” في القرآن العظيم ما هو ذو صلةٍ بما يمكن تسميته بـ “الأرشيف الإلهي” لهذا الوجود. وهذا “الأرشيف الإلهي” سابقٌ للوجود. والوجود إذ تتفاعل مفرداته فيما بينها، فإن هذا التفاعل ذو “صلةٍ وجودية” بهذا الأرشيف. لنتدبر بعضاً من آيات القرآن العظيم التي بوسع تدبُّرها أن يُعين على فقه علاقة موجودات الوجود بهذا الأرشيف الإلهي: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (70 الحج)، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (6 هود)، (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير) (22 الحديد).

ولقد جاء في قصة سيدنا سليمان عليه السلام، التي وثَّقتها سورة النمل، ماهو ذو صلةٍ بهذا الأرشيف الإلهي، وذلك في سياق الحديث القرآني عن عرش الملكة وعن الذي عنده علمٌ من “الكتاب”. فهذا الذي كان عنده علمٌ من الكتاب استطاع أن يجيء بهذا العرش قبل أن يرتد إلى سيدنا سليمان عليه السلام طرفه، أي بلمحٍ بالبصر: (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ(38)قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ(39)قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (38-40 النمل).

لقد كان بمقدور هذا “الذي عنده علم من الكتاب” أن يجيء بعرش الملكة بلمحٍ بالبصر وذلك لأنه كان على “اطِّلاعٍ” بالكيفية التي يتسنى له بموجبها تحقيق ذلك. وهذا “الاطلاع” هو ما كان عليه من “قابلية” لاستقبال ما كان في الأرشيف الإلهي من “علمٍ” يتيح للآدمي أن ينقل الأشياء من مكانٍ إلى آخر دون وساطةٍ من قوى الفيزياء التي نعرفها.

وهذا “الاطِّلاع” هو ما أشار إليه المخترع العظيم نيكولا تسلا في مقولته الشهيرة التي أرادَ بها أن يُعلِّل لقدرته، وقدرات غيره، على الإبداع والاختراع. فلقد ذكر تسلا أن هناك “كياناً من المعلومات” بالاطلاع عليه يكون بمقدور المبدع والمخترع أن يجيء بـما هو جديد.

أضف تعليق