أوقِد لتقواك بخوفٍ من نارٍ وقودُها الناسُ والحجارة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

أفمن أسس بنيانهقد تتساءل ما الذي يتوجب عليك أن تفعله حتى تغادرك حالة التقصير في عبادتك لله تعالى. فاعلم إذاً أن تساؤلك هذا إنما ينم عن خلل جسيم في منهاج التعبد لديك. ومرد هذا الخلل هو تأسيسك بنيانك التعبدي على غير تقوى من الله، وبالتالي سيكون هذا الأساس بعيداً عن أن يجعلك تستحق رضوانه تعالى فتكون من الذين أشارت إليهم الآية الكريمة 109 من سورة التوبة (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

ولكن هذا لا ينبغي بحال أن يجعلك تيأس وتفقد الأمل طالما عنَّ لك أن تسأل هذا السؤال؛ فهذا دليل وبرهان استشعارك لما أنت عليه من سيء حال مع الله تعالى. وهذا يكفيك أن تبني عليه فتشرع في التأسيس لبنيانك التعبدي على غير ما أسستَ عليه فانتهى بك الأمر إلى تساؤلك هذا. فإذا ما أردتَ حقاً أن يغادرك حالك هذا فيغيِّر الله تعالى حالك معه إلى أحسن مما أنت عليه، فعليك أن تؤسِّس لبنيانك التعبُّدي على تقوى من الله فتكون عباداتك بالتالي تنطلق من خوفك من الله ومما سيجرُّه عليك فشلك في تحقيق ما خُلقتَ لأجله من ويلات ومصائب خاتمتها تخليدٌ في النار أبد الآبدين.

إن تقوى الله، خوفاً منه ومن حسابه وناره، هو ما ينبغي أن يكون الوقود الذي يحرِّك آلة عبادتك وليس شيئاً آخر. فعبادة الله تعالى، كما يعلِّمنا القرآن العظيم، لن تكون متصفةً بالإتقان الذي يحبه إلا إذا كان منطلقها هو هذا الخوف من الله ومن حسابه وناره.

لنتدبر بعضاً من آيات القرآن العظيم التي تبيِّن هذا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (6 التحريم)، (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (من 30 آل عمران)، (وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (من 175 آل عمران)، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (من 197 البقرة)، (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (من 131 آل عمران).

فالله تعالى يريدنا أن نعبده موقنين أن عبادتنا هي السبيل الوحيد لتفادي التخليد في النار. وكل مقاربةٍ لعبادة الله تعالى لا تنظر إليها من هذا المنظور لابد وأن يعتورها ما يجعل منها بعيدةً عن أن تكون “العبادة المثلى” التي لا يرضى الله تعالى عنها بديلاً. فالله إما أن تعبده بالتقوى، وإلا فلن تكون “عبادتك” إلا سراباً تحسبه ماء! فإذا أردتَ أن تكون عبادتك لله تعالى كما يريدها الله، لا كما تريدها أنت، فعليك أن تسارع إلى “تصحيح” الدافع الذي يدفعك لتعبده تعالى، فتجعل منه منطلِقاً بوقود الخوف من الله ومن حسابه وناره الأبدية. إن هذا الخوف قادرٌ على جعلك تسارع إلى العبادة، وتُقبل عليها وتحرص على الازدياد منها، مادمتَ مدركاً أن ناراً أبديةً هي بانتظار كل من لم يُعِد العدة ليُزحزَح عنها.

أضف تعليق