بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
للإسلام قوةٌ معرفية لا ينبغي أن يُظن بها ما يجعلنا نتوهم أن لها حدوداً يحددها فهمنا لظاهر نصِّه المقدس. فالفهم هذا مقيَّد بمقاربتنا لهذا النص وفق ما يحدِّده لنا “معناه” الذي تواضعنا على الاعتقاد بأنه معناه الوحيد. وهذا ما لا ينبغي أن يكون عليه منهج تدبر النص المقدس. فهذا النص بوسعنا أن نتبيَّن فيه من المعاني ما ليس ليحدده زمان طالما كان بمقدوره أن يجيء بعلمٍ يتعالى على كل زمان، وذلك بحكم كون كلامه من عند الله تعالى. فالنص القرآني المقدس له أن يتجلى في كل زمان بتجلياتٍ متعاليةٍ عليه تعاليها على كل زمان قبله وبعده. والأمر منوطٌ بمتدبِّر هذا النص الإلهي المقدس أنى يستجلي منه ما يمكِّنه من فقه الوجود وما يجري فيه من وقائع وأحداث. ولقد وصف الله تعالى قرآنه العظيم بأنه “تبيانٌ لكل شيء” (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (من 89 النحل).
فهذا القرآن أنزله الله تعالى “تبياناً لكل شيء”، وإذا ما عجزنا عن أن نستبين به كل شيء في هذا الوجود، فمرد ذلك إلى عجزنا عن أن نسلِّط الأنوار القرآنية الكاشفة على هذا الوجود ليكون بمقدورنا أن نرى وقائعه وأحداثه بوساطةٍ منها. إلا أن هذا، ولله تعالى الحمد، لم يكن كل حظ القرآن العظيم من أمته طالما كان من هذه الأمة مَن استطاع أن يلمس “لمس اليقين” ما يعنيه كون هذا القرآن “تبياناً لكل شيء”. فمن المتصوفة من كان بمقدوره أن يقارب وقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود مستعيناً على ذلك بما جاء في هذا القرآن من آياتٍ كريمة وأسماءٍ إلهية فتحت له عوالمَ وآفاق تعذَّر على غيره ولوجها طالما لم يكن مقدَّراً له ذلك بحكم انتفاء “الاستعداد التعبُّدي” الذي لم يحظ به بسببٍ من تقصيره في عبادة الله تعالى كما أمر بها قرآنه العظيم.
وقوة الإسلام المعرفية تتجلى أيضاً في هذا الذي يجعل من المسلم الحق قادراً على أن ينظر إلى الوجود فيرى وقائعه وأحداثه وظواهره بعين الإسلام التي تمكِّنه من أن يبصر فيها ما ليس بمتاحٍ إبصاره لغيره. وبذلك يتسنى للمسلم الحق أن يقارب الوجود مقاربةً قرآنية بفقهٍ للنص القرآني المقدس يتجدد متعالياً على الزمان، وبإبصارٍ لوقائع وأحداث وظواهر هذا الوجود بنور الإسلام الذي يُمكِّنه من أن يعرف من الحقائق ما يعجز غيره عن الوقوع عليها. والأمر كله مشروط بأن يكون الواحد مسلماً حقيقياً، وذلك بأن يمارس الإسلام بإتقانٍ يجعله لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً من أركانه وشرائطه إلا وأحصاها قولاً وعملاً بقلبٍ حاضرٍ ونفسٍ مُغيَّبة. وهذا ما لا سبيل إلى التحلِّي به إلا من بعد أن يشرع العابد في السير على طريق الله تعالى، منضبطاً بقوانين وضوابط ومحددات هذا الطريق، انضباطاً يحدده التصوف الحق الذي هو ما يكفل له أن يكون مسلماً بحق.
