بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
القرآن العظيم كلام الله تعالى أنزله على حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم رحمةً للعالمين وتبياناً لكل شيء ليُنذر به يوم الجمع لا ريب فيه. وهذا القرآن كتاب آخرة قبل أن يكون كتاب دنيا، وكل مقاربةٍ لآياته الكريمة تنأى بنفسها عن حقيقته هذه لن يُكتب لها أن تقع على ما حواه من رسالةٍ إلهية ليس بمقدور الإنس والجن أن يأتوا بمثلها. وهذا القرآن كتابٌ فريد لا تنقضي عجائبه، كما وصلنا عن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وفرادة هذا القرآن متأتيةٌ له بسببٍ من كونه كتاب الله الذي ليس كمثله شيء. فإذا كان الله تعالى متعالياً على خلقه بتمايزٍ يجعله لا يماثله مخلوقٌ على الإطلاق، فإن كلامه تعالى هو بالنتيجة ليس كمثله كلام. ولذلك استحال على هذا القرآن أن يكون من عند غير الله طالما لم يكن بمقدور غير الله أن يجيء بمثله كتاباً ليس فيه اختلاف بين آياته وتناقض وتعارض وتضاد وغير ذلك مما لا تعجز كتب بني آدم عن الإفصاح عنه من آثار ما جُبل عليه عقل ابن آدم من عجزٍ ونقصٍ واختلال. فالقرآن العظيم كتابٌ فيه من الكمال ما يتناسب مع ما عليه الله من كمال مطلقٍ لا يعتوره أي نقص. وهذا الذي عليه القرآن العظيم من تفرُّد دليل وبرهان إلهيته التي ما كانت لتميِّزه لولا أنه كتابٌ إلهي بحق. وسوف أشير في هذا المنشور إلى واحدةٍ من متجدد عجائب هذا القرآن التي تبرهن وتقطع بإلهيته واستحالة أن يكون هذا الكتاب العجيب من عند غير الله تعالى.
فهذا القرآن قادرٌ على أن يجعل متدبِّره ينظر إلى الوجود بعينه القرآنية فيراه لا كما يراه غيره من غير المتدبِّرين. وهذه “القوة المعرفية القرآنية” لها أن تجعل من المتدبِّر لهذا القرآن يتبيَّن في الوجود حقائق وأسراراً، إن كانت قد غُيِّبت عن غيره فهي مكشوفةٌ أمام ناظريه طالما كان القلب منه عامراً بآثار رحمة هذا القرآن. والناظر إلى الوجود، بهذه العين وهذا القلب، سوف يُفاجأ بالجديد الذي سيقع عليه من حقائقه وأسراره كلما قاربه بقوة هذا القرآن. فيكفي القرآن العظيم دليلاً على إلهيته أنه يُمكِّن متدبِّره من الإحاطةِ بمبهم وغامض أسرار هذا الوجود التي ما كان لها أن تتجلى له لولا أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى حقاً.
