كتاب الله الأعظم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

هذا من فضل ربييعلمنا القرآن العظيم أن هناك لله كتباً لا تقتصر على ما نظن ونتوهم أنها كتبه تعالى التي أنزلها على مَن اختاره من أنبياء ورسل. فإذا كان لله تعالى كتبٌ إلهية عرَّفنا بها كتاب الله الكريم فقال إنها الزبور والتوراة والإنجيل والقرآن، فإن هذا الكتاب قد أنبأ أيضاً عن وجود كتبٍ إلهية تمتاز عن هذه الكتب بأنها ليست بمقروءة. والكتب الإلهية غير المقروءة هي كتبٌ توارت عن أنظار الخلق إلا من كان منهم مسؤول عن كتابتها أو الاطلاع عليها بما شاء له الله تعالى. فمن الملائكة الكرام عليهم السلام مَن هم مخوَّلون بتسطير صفحات كثيرٍ من هذه الكتب، إذ أن الله تعالى أوكل إليهم مهمة استنساخ ما يعمل بنو آدم وتوثيقه في هذه الكتب. وهذا ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّر بعضٍ من آيات القرآن العظيم ورد فيها هذا الأمر: (قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُون) (من 21 يونس)، (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِين. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (10 – 12 الانفطار)، (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (29 الجاثية).

ولله تعالى كتبٌ أخرى توثق لما يحدث في هذا الوجود منها ما ذكرته الآيات الكريمة التالية: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (70 الحج)، (وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين) (75 النمل)، (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59 الأنعام).

ولله تعالى كتابٌ أعظم أشارت إليه سورة الرعد في آيتها 39 بأنه “أم الكتاب”: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ). و”أم الكتاب” هو الكتاب الذي أشارت إليه الآية الكريمة 40 من سورة النمل بأنه الكتاب الذي مكَّن الذي عنده علمٌ منه فجعل بمقدوره أن يأتي سيدنا سليمان عليه السلام بعرش الملكة قبل أن يرتد إليه طرفه: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ). وهذا الكتاب فيه علم كل شيء وتفصيله وبيانه. وهو الكتاب الذي فيه إجابةٌ على كل سؤال يخطر على البال. وما تمكُّن “الذي عنده علمٌ من الكتاب” من الاتيان بهذه المعجزة إلا من بعد أن “اطَّلع” على ما ورد في هذا “الكتاب غير المنظور” من إجابةٍ على السؤال الذي فاجأ به سيدنا سليمان عليه السلام الملأ (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) (38 النمل). فكتاب الله الأعظم هذا يُجيب مَن أنعم الله عليه واختصه بفضلٍ منه تعالى جعله قادراً على أن يطَّلع على ما جاء فيه من علمٍ على أي تساؤلٍ عنَّ له، فيكون له بذلك أن يجترح من عجائب الأمور وغرائبها ما تعجز حتى الجن عن الإتيان به. فسبحان مَن سطرت يمناه أعظم كتاب في الوجود يُمكِّن “متدبِّره” من أن تُخرق له كل قوانين هذا الوجود.

أضف تعليق