بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
من بين أعظم الدروس المستفادة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام، كما وردت في القرآن العظيم، أن الله غالبٌ على أمره، وأنه تعالى لطيفٌ لما يشاء. وهذه الغلبة لله تعالى، كما هو هذا اللطف الإلهي، بوسعنا أن نتبيَّنهما فاعلَين في سيرة حياة مَن كان من عباد الله المخلَصين كما ليس بمقدورنا أن نتبيَّنهما فاعلَين في سيرة حياة من لم يكن من عباد الله المخلَصين. فالسواد الأعظم من بني آدم موكول أمرهم إلى أسباب عالم الحجاب تفعل فيهم ما تشاء بمشيئة الله تعالى. وقلة قليلة من بني آدم يتولاها الله تعالى بنفسه دون أن يعني هذا ألا يكون لأسباب عالم الحجاب فعل وتأثير يطال هذا الجانب أو ذاك من حياتهم. ويخطئ من يظن ويتوهم أن بمقدوره أن يحول دون أن يتحقق ما قدَّره الله تعالى لمن اصطفاه وجعله من عباده المخلصين. فلا كيد ولا مكر، مهما استفحلا، بمقدوره أن يحول دون أن يتحقق “المصير المقدَّر” لمن كان من عباد الله المخلَصين. بل أن واقع الحال وحقيقة الأمر ينبئان بأن كل تدخل يُرام من ورائه الحيلولة دون أن يتحقق لمن كان من عباد الله المخلصين قدَره ومصيره المحتومان لن يفضي خاتمة المطاف إلا إلى جعل هذا القدر وذاك المصير يتجليان بأبهى وأعظم مما كان مقدراً لهما. واللهُ يعلِّمنا في قرآنه العظيم أن القدَر طوع أمره تعالى، فإن شاء أمضاه وأثبته، وإن شاء محاه وخط قدراً بديلاً آخر عنه (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَاب) (39 الرعد).
فما الذي عادَ به على يوسف عليه السلام تدخل أخوته في سيرة حياته غير أنه أصبح ملكاً نبياً عوض عن أن ينتهي به الأمر إلى أن يكون نبياً فحسب؟ لقد ظن أخوة يوسف أنهم، وبإبعادهم له عن أبيه، سيكون لهم أن ينفردوا به فيتأتى لهم الحصول على ما كانوا يتوجسون ويتخوفون أن يفوتهم من حظوة لديه ظناً منهم وتوهماً أن يوسف كان سيحرمهم منها. ولقد فات أخوة يوسف أن يدركوا أن كل تدخل في سيرة حياة أخيهم لم يكن له ليحول دون أن يؤول به الأمر إلى أن يكون ذا حظ عظيم في هذه الحياة الدنيا. فلقد ظنوا أن إبعادهم يوسف عن أبيه سيحول دون أن يكون محظوظاً، فكان أن جاءه الحظ كله بهذا الإبعاد إذ صيَّره أقوى شخصية في أقوى امبراطورية عرفها العالم آنذاك!
إذاً إحرص على أن تكون من عباد الله المخلصين حتى يكيد لك ربك فيُحيل مكر عدوك نصراً لك عليه.
