بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يستدعي تدبُّر القرآن العظيم وجوب الالتزام بالمعنى القرآني للآية الكريمة المتدبَّرة. ولكن هذا ليس هو الحال في كثير من الأحيان. فلطالما كان كثير من آيات القرآن العظيم يورَد في غير مورده ويؤوَّل بالتالي غير التأويل القرآني الوحيد له. ومن آيات القرآن العظيم التي أُسيء تأويلها، الآية الكريمة 30 من سورة البقرة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فالمعنى القرآني لهذه الآية الكريمة مرتبط بسياقٍ ذي صلة بنشوء وارتقاء الإنسان على أرض هذا الكوكب، ولا علاقة له بالتالي من قريب أو بعيد بما دأب على تأويلها كثير من المفسِّرين، وذلك باعتبارها تؤصِّل لما يُزعم بأنه “الخليفة” الذي افترضوا له وصايةً على الأمة توجب على أفرادها كلهم جميعاً مبايعته والامتثال لما يأمر به وينهي! وهذا “التسييس” لآيات القرآن العظيم هو دأب مَن في قلبه مرض إذ يريد أن يصل إلى غاياتٍ دنيوية مقيتة بهذا التأويل الذي يتناقض بالتمام والكلية مع ما جاءت به آيات القرآن العظيم كلها جميعاً من نأي وابتعاد عن كل ما له علاقة بالسياسة وأهلها والحكم ورجاله!
ولقد وردت كلمة “خليفة” مرة أخرى في القرآن العظيم، وذلك في سياق الحديث عن سيدنا داود عليه السلام في سورة ص: (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ). وهذه الآية الكريمة نادراً ما يُستشهد بها من قبل “مُسيسي الدين”، وذلك لأنها لا تمكِّنهم من الزعم بأن “الخليفة” له سلطة مطلقة على أفراد الأمة كلهم جميعاً! فالأمر منوطٌ بالسلطة لا بالمعنى القرآني لهذه الآية الكريمة! فالسلطة المطلقة هي ما يبغي هؤلاء الذين لا يمثل الدين لهم إلا أداةً يستعينون بها للقفز إلى الحكم على رقاب الجُهال والسُّذج ممن يسهل خداعهم بهذا التأويل السياسي للدين!
