بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يريدنا “علم الاجتماع الديني” أن نصدِّق ما يقول به من أن الإنسانية قد مرَّت بعصورٍ ثلاث. وهذه العصور هي: عصر السحر، وعصر الدين، وعصر العلم. وهذه المقاربة لعلاقة الإنسان بالوجود تعتورها أخطاء معرفية ليس أقلها هذا الهوَس المرضي بإسباغ ما يُظن أنه “النظام” على ما يُتوهَّم أنه “الفوضى”! فإذا كان الإنسان، في بدايات رحلته المعرفية على أرض هذا الكوكب، قد التجأ إلى السحر، فإن هذا لا يبرر على الإطلاق أن يكون الدين بعيداً عن المشهد لا لشيء إلا لحاجةٍ في نفوس العلماء تزيِّن لهم أن ينظروا إلى ما كان عليه هذا الإنسان من عقيدة فيرون فيها تطوراً يوجب أن يجيء الدين لاحقاً، غافلين بذلك عن احتمالية أن يكون الدين سابقاً! فالدراسة المتأنية غير المتحيزة لماضي الإنسان كفيلةٌ بتبيين ما كان عليه هذا الإنسان من اختلاط بين “الدين” و”السحر”.
إن الدين الإلهي بوسعه أن يقدم لنا تصوراً مغايراً لما كان عليه الإنسان في بدايات رحلته على أرض هذا الكوكب. والدين الإلهي يقدِّم لنا تصوراً عن البدايات الإنسانية يجيء بموجبه الدين سابقاً للسحر. وإذا ما نحن نظرنا إلى ماضي الإنسان بعين الدين الإلهي، فسوف يكون بمقدورنا أن نتبيَّن العلة من وراء ظهور السحر. فالسحر ظهر في تاريخ الإنسان كمحاولةٍ منه لمحاكاة وتقليد ما جاء به الدين الإلهي من معجزات. والسحرة حاولوا جاهدين أن يبرهنوا للناس بسحرهم أنهم لا يقلُّون شأناً عن الأنبياء الذين أجرى الله تعالى على أيديهم معجزاتٍ كان لها أن تُبهر الناس، وذلك بمخالفتها لمألوفهم وبعجزهم عن أن يأتوا بمثلها. وهكذا ظن السحرة أنهم قادرون على أن يأتوا بمعجزات تضاهي وتماثل معجزات الأنبياء. إن الإنسان يميل إلى التقليد والمحاكاة أكثر من ميله إلى الاختراع والابتكار. وهذه حقيقة بوسعها أن تبرهن على أسبقية الدين على السحر الذي ما نشأ إلا محاولةً من الإنسان لتقليد ما جاء به الدين من عجيب وغريب.
ثم جاء العلم فظن من وضعه أن بمقدوره أن يعلل للدين والسحر، وذلك بالرجوع إلى ما تسنى لهذا العلم أن يقع عليه من وقائع وأحداث هذا الوجود من بعد أن خلص إلى ما انطوت عليه من قوانين كان له أن يعرف منها ما ظن وتوهم أنه كفيل بالتعليل لكل ما يحدث في هذا الوجود. فكان أن قدَّم العلم تصوُّره للوجود وأحداثه، وبما لا يجعل الإنسان مضطراً إلى وجوب القول بأن هناك إلهاً لابد من افتراض وجوده وذلك ليصار إلى التعليل لما يحدث في هذا الوجود طالما كانت قوانين العلم كافيةً للتعليل له. وبذلك ظن العلم أنه أصبح بمقدوره أن ينظر إلى تاريخ الإنسان فيحدد ما حدث لعقيدته بتطورها من السحري إلى الديني فالعلمي. ولقد فات العلم أن يدرك أن قدرته على التعليل لوقائع وأحداث وظواهر الوجود، وبما يجعل من غير الواجب ضرورة افتراض وجود الله، لا تكفي ليزيح ويقصي الدين طالما لم يكن بمقدوره أن يعلل لما جاء به هذا الدين من معجزات. فقد يُفلت العلم بزعمه أن ظواهر الوجود، التي تسنى له دراستها، لا توجب القول بوجوب وجود الله، ولكن كيف يريد هذا العلم أن يُفلت بهذا الزعم منه إذا ما أنت واجهته بتلك الظواهر التي لا قدرةَ له على التعليل لها بالاستناد إلى نظرياته وقوانينه؟!
إن المعجزات تبقى على الدوام ظواهر تُعجز الإنسان عن أن يجيء بمثلها، وأن يجد لها تفسيراً عقلياً مقنعاً. والإنسان، مهما تقدم علمه، سيبقى عاجزاً أمام هذه المعجزات التي أعجزت أسلافه من قبل، كما ستعجز أحفاده من بعد. لذا فليس هناك ما يوجب علينا أن نصدق هذا التسلسل المنطقي لتطور عقيدة الإنسانية من السحر إلى الدين ثم العلم. فالدين كان أولاً وسيبقى إلى يوم الدين. والعلم لن يكون بمقدوره أبداً أن يقصي الدين ويزيحه، طالما كان بمقدور الدين على الدوام أن يطالب العلم بالتعليل لمعجزاته، وطالما استحال على العلم أن يقدم هذا التعليل.
