بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا يمكن للإنسان على الإطلاق أن يعيش بعيداً عن “الدين”. و”الدين” هو كل ما يدين به المرء ويتديَّن. فكل بني آدم متدينون وإن اختلفوا أيَّ “دين” به يدينون. وحتى من كان من بني آدم كافراً لا يؤمن بالله تعالى، فإنه “متديِّن” طالما كان يدين بعقيدة إليها استند في تبريره لرفض الإيمان بالله. وإذا ما أنت تصفحت تاريخ الإنسانية المكتوب، منذ البدايات وحتى عصرنا هذا، فلن يكون بالعسير عليك أن تتبيَّن أن “الدين” هو أكثر ما انشغل به الإنسان على مر الزمان. ويخطئ علم الاجتماع الديني إذ يظن أن بمقدوره أن يميز المراحل الفكرية التي مرت بها الإنسانية إلى عصورٍ ثلاث كان أولها عصر السحر ثم عصر الدين فعصر العلم. فـ “الدين” لم يفارق عقل الإنسان منذ أن خطى خطواته الأولى على أرض هذا الكوكب. والعلم مطالَب بأن يعلل لهذا “الشغف الديني” الذي يأبى أن يفارق الإنسان في كل زمان ومكان. فما السبب الذي جعل الإنسان كائناً “متديناً” لا قدرةَ له على أن يعيش دون “منظومة دينية” يستند إليها في فقه الوجود وما يحدث فيه؟ إن هذا الانشغال بـ “الدين” علامة على أن هناك في ماضي الإنسان ما يستدعي أن يكون العلة التي تجعل من الإنسان في كل زمان ومكان مشغولاً بـ “الدين” انشغالاً بمقدورك أن تتبيّنه في كل ما أنجزه هذا الإنسان من حضارة.
ولقد أشار القرآن العظيم إلى هذا الانشغال بـ “الدين”، الذي لا قدرةَ للإنسان على مفارقته والنأي بنفسه عنه، وذلك في الآيتين الكريمتين: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) (43 الفرقان)، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (23 الجاثية). فالإنسان، وإن لم يكن متديناً بدين إلهي، فإنه يبقى عاجزاً عن أن يكون غير متدين على الإطلاق طالما استحال عليه ألا يكون عابداً هواه. وبذلك يتبيَّن لنا مدى صدق العبارة التي تقول بأن الإنسان كائنٌ متديِّن!
