بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
إذا ما أنت تدبرت آيات القرآن العظيم كلها جميعاً، فلن يكون بالعسير
عليك أن تتبيَّن ما تصرِّح به هذه الآيات من مرير الشكوى من الإنسان. فآيات القرآن العظيم تنتظمها هذه الشكوى المريرة من سوء أدب الإنسان مع الله الذي خلقه فسواه فعدله. وشكوى القرآن من الإنسان جلية لا تحتاج إلى إيضاح وتبيين طالما كانت آيات هذا القرآن تصرِّح بها تارة وتلمِّح إليها أخرى. فالقرآن يعبِّر عما كان من أمر من سبق من الأقوام مع الله تعالى في أحايين كثيرة، ويعبر عن ما هو عليه الإنسان مع الله تعالى في كل زمان ومكان في أحايين أخرى. وإذا ما أنت تدبرت القرآن العظيم، دون أن تُشغلك “الشجرة عن الغابة”، فلن يكون عسيراً عليك أن تسمع لأنين هذا القرآن وهو يشكو ما كان من أمر الإنسان مع الله تعالى.
ولقد صرَّح القرآن العظيم عن هذه الشكوى بآيةٍ تتفجر ألماً وحزناً على هذا الإنسان وعلى ما هو عليه من سيء حالٍ مع الله تعالى، وذلك في الآية الكريمة 30 من سورة يس (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ). وإذا ما أنت أردتَ أن لا يفوتك أن تسمع لأنين القرآن العظيم، وهو يشكو الإنسان، فما عليك إلا أن تتدبر آياته الكريمة كلها جميعاً دون أن تغفل عن قاسمها المشترك الأعظم، وذلك بأن تستعرضها في جلسةٍ تتدبر ما جاء فيها دون أن تنشغل عن “الصورة الكلية” بتفاصيلها، فعندئذ سيتبين لك ما لم يكن بمقدورك أن تقع عليه من قبل طالما كان ديدنك في مقاربة القرآن العظيم أن تجزِّأه وتقسِّمه آيات وسور ليسهل عليك التعامل معه تلاوةً أو قراءةً أو تفسيراً. فللقرآن، بآياته كلها جميعاً، حكاية غير حكاية هذه الآيات إذا ما أنت اقتصرت عليها منفردةً أو مجتمعة، دون أن تكون هذه الآيات مسطورةً أمام “ناظرَي ذاكرتك” كلها جميعاً.
فإذا كان حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد شكا قومه إلى الله تعالى بأنهم قد هجروا القرآن العظيم، فإن هذا القرآن يعج بشكوى الله تعالى من هجر الإنسان له، وهو الذي لم يدلل أحداً من خلقه كما دلَّل هذا الإنسان!
