ماذا ينبغي على المريد أن يريد؟

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

والله يريد الآخرةالمريد هو من اختار أن يسير على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابطه ومحدِّداته دون أن يكون له أن يأخذ منها ما تشاء له نفسه ويُعرض عن كل ما لا يتفق مع ما يدعوه إليه هواه. وبذلك يتنازل المريد عن إرادته حتى لا يبقى له من إرادة، طالما كانت هذه الإرادة مسيَّرةً بواسطة النفس التي لا تريد له إلا أن يكون مطيعاً لها فلا يعصي لها أمراً. وإذا ما أراد المريد أن يُفلح سعيه فيصل إلى مبتغاه ويحقق مراده فلا مناص له من أن يكون بلا إرادة على طريق الله تعالى، طالما كانت هذه الإرادة طوع أمر نفسه. والمريد بهذا التنازل منه عن إرادته، طوعاً لا كرهاً، فإنه يستعيض عن “إرادة نفسه” بإرادةٍ أخرى بديلة هي الإرادة التي ينبغي عليه أن يتحلى بها ما أن يشرع بسيره على طريق الله تعالى. وهذه “الإرادة الجديدة” هي التي يتوجب عليه أن يجعل منها ما يدفع به على هذا الطريق الإلهي قدُماً، وذلك بأن يعمل جاهداً على أن “يريد” كل ما هو كفيل بجعله موافقاً لما تقضي به ضوابط ومحددات طريق الله تعالى دون أن يسمع لأي اعتراض من جانب نفسه. وبذلك يكون المريد هو مَن تنازل لله تعالى عن إرادته فتخلى عن هذه الإرادة التي هي عنوان وهوية النفس، وتحلَّى بإرادةٍ أخرى بديلة هي عنوان العبودية لله تعالى.

والمريد لا يمكن له أن يأمل أن يصل إلى مراده وهو محتفظ بإرادته التي تأتمر بأمر نفسه. فمراد المريد هو غير ما تريد النفس. والمريد لابد له من أن تكون “إرادته”، بعد أن يشرع بالسير على طريق الله تعالى، هي غير “ما كان يريد” قبل شروعه بهذا السير. ولذلك أُطلق على السائر على طريق الله تعالى إسم “المريد”، وذلك في إشارة جلية واضحة إلى ما يتوجب عليه القيام به من تخلٍّ عن إرادة نفسه وتحلٍّ بإرادةٍ بديلة تجعل منه يريد ما يراد له لا ما كانت تريد له نفسه. فالمريد لا يريد إلا ما يُراد له، وبذلك يكون مراد المريد هو ما يريده له الله بعبادته تعالى حتى يحقق الغاية التي خُلِق ليحققها؛ فالله تعالى ما خلق الإنسان إلا ليعبده (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات).

أضف تعليق