بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ورد في القرآن العظيم ما يفيد بأن النفس يظلمها الإنسان، وذلك بكفره بربه عز وجل، وبإصراره على النأي بهذه النفس بعيداً عن الحق والهدى. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (97 النساء)، (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (117 آل عمران)، (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (135 آل عمران)، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (64 النساء)، (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) (101 هود)، (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ) (45 إبراهيم)، (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (19 الحجر).
فما الذي يعنيه أن يظلم الواحد منا نفسه؟ وكيف يكون الإنسان ظالماً نفسه؟ يُجيبنا القرآن العظيم بآيات كريمة يتبيَّن بتدبُّرها ما يعنيه ظلم الإنسان نفسه: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين) (35 البقرة)، (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (23 الأعراف)، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب). فالإنسان يظلم نفسه وذلك بخضوعه لسلطانها عليه وائتماره بما تأمره وبامتثاله لها دون أن تكون له إرادة المخالفة عن أمرها. لقد خلق الله تعالى الإنسان وابتلاه بهذه النفس، وذلك حتى يقوم بجرِّها من الظلمات التي تقبع فيها إلى النور الذي تأبى أن تكون فيه ظناً منها أنها غير قادرة إلا على أن تعيش في هذه الظلمات وتوهماً أن عيشها في النور يؤذيها ويقضي عليها. لقد برهن نفرٌ قليلٌ من بني آدم على فساد رأي النفس هذا، وذلك بنجاح واحدهم في جعل نفسه تأتمر بما يطالبها به وتطيعه ولا تعصي له أمراً، وذلك من بعد طول مجاهدات ومكابدات وصولات وجولات ومعارك خاضها معها فكان أن تمكَّن من جعلها تُضطر إلى الاستسلام لإرادته والتنازل عن إرادتها استيئاساً وقنوطاً من أن يكون بمقدورها أن تُبقي عليه أسير أوهامها وسوء ظنها بربِّها عز وجل.
إذاً فطالما كان هناك من بني آدم مَن كان بمقدوره أن يستعصي على النفس فلا تستطيع أن تُبقيه أسيرها، وطالما كان هناك من بني آدم مَن تمكَّن من فرض إرادته على نفسه فجعل منها طوع أمره ورهن إشارته، فلنا كلنا جميعاً أن نأمل بأن يكون للواحد منا القدرة على أن يهدي نفسه من الظلمات إلى النور بإذن الله تعالى، ويتحقق له بذلك إنقاذها من عذاب الدنيا والآخرة. إن عجز الإنسان عن أن يعصي نفسه سيجعل منه ظالماً لها بهذا الذي جعله لا يفعل كل ما بوسعه ليدفع بها بعيداً عن ظلماتها ويزج بها رغم أنفها في النور.
لا تظلم نفسك باستسلامك لها، ولا تكن ظالماً نفسك بتقاعسك وقعودك عن هدايتها إلى ربها عز وجل. فالنفس كالطفل، إما أن تستسلم لإرادته، وإما أن تجعله يستسلم لإرادتك. فإن تنازلتَ عن إرادتك لله تعالى، فسوف يمكنك من نفسك فتستسلم لك وذلك بأن تُسلم أمرها لربِّها عز وجل فتعبده كما تعبده أنت. ولنا في قصة ملكة سبأ ما يُعين على تدبُّر ما يعنيه أن يظلم الإنسان نفسه، والسبيل إلى النأي عن ظلم النفس هذا. لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) (22-24 النمل). لقد ظلمت ملكة سبأ نفسها بكفرها بالله تعالى، إلا أنها أدركت لاحقاً ما قامت به من ظلم لنفسها، فأسلمت لله مع سيدنا سليمان عليه السلام: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (44 النمل).
