بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

علَّمنا حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قد بُعث ليتمم مكارم الأخلاق. وإتمام مكارم الأخلاق هذا لم يكن إملاءً قدر ما كان ممارسةً خبرها حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بنفسه امتثالاً لما أُمر به ونُهي عنه. فقد صح عن حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: “أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي”. فهذا التأديب الإلهي لحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هو الذي تمخَّض عن منهاجٍ تأديبي استند إليه حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم في تأديبه لأمته. فالله تعالى أدَّب رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بدوره أدَّب أمته تأديباً محمدياً مستنداً إلى هذا التأديب الإلهي له. وبتدبُّر القرآن العظيم، يتبيَّن لنا ما انطوى عليه هذا التأديب الإلهي من أوامر ونواه حددت لحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المسار التعبُّدي الذي التزمه وتقيَّد به فكان أن انتهى به هذا “الالتزام القلبي” إلى أن منَّ الله تعالى عليه فجعله خير خلقه طرَّاً. ولقد تجلى هذا الإنعام الإلهي على حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم برحلة الإسراء والمعراج التي جاءت مكافأة له صلى الله تعالى عليه وسلم على تحقيقه لأعلى مراتب تمام مكارم الأخلاق، وذلك كما تجلى في دعاء الطائف. فهذا الدعاء الشريف يمثل الخلاصة والزبدة لكل من يروم أن يبتغي إلى ربه سبيلا، وذلك بأن يعمل كل ما بوسعه ليتحقق له ما يجعل منه صادقاً بدعائه الله تعالى بما سبق وأن دعا به حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله “لك العتبى حتى ترضى”. فالإنسان جُبل على أن يكون معاتباً للكل على كل ما يحدث له مما يسوؤه. ويتربَّع الله تعالى على رأس قائمة المعاتَبين؛ فهو أول من يعاتبه الإنسان على ما هو عليه من رزق قُدِر عليه فلم يُعِنه على أن يحظى بالمال والشهرة الواسعة والمرأة فائقة الجمال!
أما المتأدِّب بتأديب مَن أحسن الله تأديبه (صلى الله تعالى عليه وسلم) فهو لا يعاتب أحداً إلا نفسه التي يُحمِّلها وزرَ كل ما آل إليه أمره طالما لم تكن على أحسن حال مع الله تعالى. وهو بذلك يجعل الله معاتبه حتى يرضى تعالى عنه بتحقيقه ما يجعل منه مرضياً عنه من قبله تعالى. وهذا هو التصوف الذي بالإمكان أن يُصار إلى إيراد تعريف له يكون بموجبه المتصوف هو من تأسَّى واقتدى بحضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذي أدَّبه ربُّه فأحسن تأديبه.
