بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لماذا طلب الله تعالى من سيدنا موسى عليه السلام أن يخلع نعلَيه في الوادي المقدس طوى؟ (وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى. إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (9 -13 طه). للإجابة على هذا السؤال لابد قبل ذلك من أن نجيب على سؤال آخر: “ما الذي جعل ذلك الوادي مقدساً؟”. إن الإجابة على هذا السؤال توجب علينا أن نتدبَّر الآيات الكريمة التالية: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (7 -9 النمل). فالوادي لم يكن مقدساً قبل أن يقدِّسه الله تعالى بتواجده فيه بشدةٍ وكثافةٍ وفَّرهما تجلِّيه بأكثر مما هو متجلٍّ به خارج ذلك الوادي “طوى”، وبأقل من تجلِّيه للجبل الذي صيَّره هذا التجلِّي دكاً (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين) (143 الأعراف). والنار المباركة بوركت بمَن فيها ومَن حولها، إذ تواجدَ الله تعالى فيها ومِن حولها بشدةٍ وكثافة تتمايزان عن الشدة والكثافة اللتين يتواجد الله تعالى بهما عادة.
ويخطئ مَن يظن أن الله تعالى طلب من سيدنا موسى عليه السلام أن ينزع نعليه لأن الأرض التي كان قد وطأها هي أرض الوادي المقدس بهذا التواجد الإلهي المكثَّف، وذلك لما ينبغي أن يكون عليه التعامل مع كل ما هو مقدس من وجوب أن لا يكون هناك ما هو غير طاهر كنعلَيه عليه السلام. فاللهُ تعالى أراد لسيدنا موسى عليه السلام أن يغمره نور تواجده الإلهي من رأسه إلى أخمص قدميه، فتناله بذلك بركات هذا النور الإلهي بأكثر مما كانت لتناله لو أنه لم ينزع نعلَيه. وهذا هو سر ما جاءنا عن المتصوفة الذين شددوا على وجوب أن يخلع المريد نعلَيه قبل أن يطأ بقدمَيه أرض الحقيقة. و”نعلا المريد” هنا تعبير مجازي عن الهوى والنفس اللذان يقفان حائلاً دون أن يكون للمريد تماس مباشر مع الحقيقة.
