بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لا تجد كائناً غير الإنسان يفسد في الأرض ويكثر فيها الفساد. والإفساد في الأرض هو واحدٌ من أبرز ما يميز هذا الإنسان، وذلك بالمقارنة مع باقي المخلوقات البايولوجية التي تتمايز عنه بتناغمها وتوافقها مع الطبيعة التي يتناشز معها هذا الإنسان ويشذ عنها بخروجه السافر على قوانينها الإلهية التي كفل لها الله تعالى بها أن تجري وقائعها وأحداثها وفق سُننه التي لا رغبة لها بأن تحيد عنها طالما سبق وأن اختارت أن تأتي الله تعالى طائعةً مطيعة (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (11 فصلت).
والإفساد في الأرض هو مما بالإمكان إرجاع علَّته إلى ما حدث في ماضي الإنسان السحيق فجعل من أسلافه الأواخر يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة). وإذا كان الله تعالى قد تدخَّل تدخلاً مباشراً فأصلح ما فسد فجاء آدم مبرَّئاً من الرغبة في الإفساد، فإن ذريته كان عليها أن تجاهد هذا الإفساد الذي عادَ ليُطل برأسه القبيح بأكل آدم وزوجه من الشجرة المحرمة. والإفساد في الأرض كامن في صُلب ما علل الله تعالى به لقراره بإبعاد آدم وزوجه عن الجنة، وذلك عندما أخبرهما بأن ذريتهما سيتعيَّن عليها أن يعادي بعضهم بعضاً (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).
إن أكل الإنسان من الشجرة المحرمة جعله يخرج على الطبيعة بهذا الذي أصبح يعتمل داخله من توقٍ إلى الإفساد في الأرض بغير الحق ظناً منه وتوهماً أنه إنما يُصلح وما هو من المصلحين، وأنى للإنسان أن يكون مصلحاً في الأرض وهو الذي تناشز مع الطبيعة وشذ عنها باختياره أن يحمل الأمانة عن ظلم وجهل جعلاه غير قادرٍ على أن يتبيَّن الحق من الباطل؟! ألم يسارع الإنسان إلى حمل الأمانة التي رفضت السموات والأرض والجبال أن يحملنها لإشفاقهن منها؟!

والإفساد في الأرض قدَرٌ لا قدرةَ لأحدٍ من بني آدم على الإفلات منه إلا بقدَرٍ إلهي يُقيِّضه له سيرُه على طريق الله تعالى منضبطاً بمحددات وضوابط هذا الطريق. ولذلك كان هذا الإفساد في الأرض شيمة المخالفين عن صراط الله تعالى، حتى ولو ظن الواحد من هؤلاء أنه من المصلحين! فأنى للإنسان أن يأمن ألا تدفع به نفسه صوب الإفساد في الأرض وهو لما يتمكن من هذه النفس ولم يُخضعها لأمره تطيعه ما أمرها؟! لنتدبر بعضاً من آيات القرآن العظيم التي يتبيَّن بتدبُّرها ما هو قائمٌ من صلة وثيقة بين الإفساد في الأرض والنأي عن صراط الله المستقيم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (204 -205 البقرة)، (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (من 64 المائدة)، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (73 الأنفال)، (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (116 هود)، (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (من 77 القصص)، (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (83 القصص)، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) (41 الروم)، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَاد. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَاد. وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) (6 -12 الفجر)، (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (من 60 البقرة)، (وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين) (من 86 الأعراف)، (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (من 142 الأعراف)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) (من 81 يونس).
إذاً فالإنسان لا قدرةَ له على ألا يفسد في الأرض إلا إذا ما كان من السائرين على طريق الله تعالى منضبطاً بضوابط ومحددات هذا الطريق طالما كانت الرغبة في الإفساد مستترةً كامنةً في ثنايا وطيات جِبلته وخِلقته تتحيَّن الفرصة لتُعينه على أن يعيث في الأرض فساداً. وتاريخ الإنسان يشهد له بهذه العبقرية الفذة على الإفساد بصورٍ وصنوف لا قدرةَ لموسوعةٍ على أن تُحصيها وتحيط بها. فإذا أردتَ حقاً ألا تكون ذلك الإنسان المفسد في الأرض، فما عليك إلا أن تشرع من فورك بالسير على طريق الله تعالى لتكون من عباده المصلحين، وإلا فلن يطول بك الأمر حتى تتبيَّن وتلمس لمس اليقين ما أعدَّه الله تعالى من عذابٍ مُهين للمفسدين.
