بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

نزل القرآن العظيم على قومٍ لم يكن الله تعالى بالغريب عليهم. فالقوم كانوا مشركين بالله ولم يكونوا من الملحدين الذين ينكرون وجوده تعالى. وقد شن القرآن العظيم حملةً إلهيةً شعواء على أولئك القوم، وذلك لأنهم كانوا مشركين بالله تعالى طالما كانوا يؤمنون بالله وبآلهةٍ كثيرةٍ أخرى غيره. والقوم لم يكونوا أول من كانت علاقته بالله تتميز بهذا الإشراك به تعالى، إذ كان كل من سبقهم من أقوام، على مر العصور وتعاقب الدهور، وفي كل زمان ومكان، قد أشركوا بالله تعالى وذلك بشهادة إيمانهم بآلهةٍ أخرى غيره. ولقد بلغ التشابه، بين ما كان عليه القوم الذين نزل عليهم القرآن العظيم والأقوام التي سبقت، أن أشارَ القرآن العظيم إليه بأنه يجعل المرء يظن أن قلوبهم قد تشابهت، وأنهم قد تواصوا بهذا الإشراك بالله تعالى حتى أوصى السابقون به اللاحقين: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (118 البقرة)، (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون) (52 -53 الذاريات).
غير أن ما يتميز به أهل هذا العصر أن الإشراك بالله تعالى قد تراجع إلى أدنى حد بالإمكان تصوره، ولكن ليس ليحل محله إيمانٌ بالله الواحد الأحد، بل ليكون ذلك التراجع على حساب الإيمان بالله أصلاً! فالقوم المعاصرون قد فارقوا الإشراك بالله تعالى لأنهم باتوا غير مؤمنين به الإيمان الذي كان عليه مَن سبقهم من أقوام خالط إيمانهم به تعالى إشراكٌ بآلهةٍ غيره. ولن يكون عسيراً عليك أن تتبيَّن آثار هذا “اللاإيمان” بالله تعالى حواليك، فهي مبثوثةٌ أنى جُلت ببصرك. فالسابقون لم يكن “العلم” ليجعل منهم يظنون أنه قادرٌ على أن يجيء بإجابات على أي سؤال حول ما يحدث في الوجود لا تحيل الأمر إلى الله تعالى طالما كانوا يعتقدون به خالقاً رازقاً فاعلاً، وذلك على العكس مما تراه في هذا الزمان الذي أصبح أهله يفاخرون بما في أيديهم من علم ظنوا أنه قادرٌ على أن يجيب على أي سؤال يخص ما يحدث في الوجود بإجابات لا تستوجب القول بوجود الله تعالى! لنتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (61 العنكبوت)، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (63 العنكبوت)، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (87 الزخرف)، (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُون. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون) (84- 89 المؤمنون).
فهذا العصر هو عصر العلم الذي يظن أهله ألا حاجةَ هناك للقول بوجود الله تعالى ليعلل لما يحدث فيه طالما كان العلم قادراً على أن يجيء بتفسير الأحداث وفقاً لما وُفِّق إليه من نظريات قامت على أساسٍ مما تسنى له أن يقع عليه من قوانين هذا الوجود. ولقد فات أهل هذا العصر أن العلم الذي يعجز عن أن يعلِّل للظواهر الخارقة للعادة، وذلك بأن يفسر حدوثها المناقض لهذه القوانين التي وقع عليها، لا يمكن على الإطلاق أن يؤتمن على تلك الظواهر التي ظن أنه قد استطاع أن يعلّل لها، وذلك بتفسيرها وفق نظرياته التي جاء بها وشيَّدها على أساسٍ من ظواهر الوجود المألوفة. وإذا كانت الظواهر الخارقة للعادة تستدعي أن يُصار إلى أن يُعاد إليها الاعتبار، فإن من باب أولى أن يُصار إلى إعادة الاعتبار إلى الله تعالى، وذلك بأن لا ندع العلم يتطاول على ما ليس بمقدوره أن يجرَّه إليه من ظواهر الوجود التي لا قدرةَ لغير الله تعالى على أن يتكفل بتقديم التعليل الحقيقي الوحيد لها طالما كان هو المتكفل بحدوثها. إن هذا العصر قد أوهم أهله بألا حاجةَ هناك لافتراض وجود الله طالما كان بالإمكان التعامل المعرفي مع كل ما يحدث في هذا الوجود دون أن يستوجب ذلك القول بضرورة وجود الله تعالى. ولقد جرَّ هذا الغرور على إنسان هذا العصر ما جرَّه من ظنٍ واهم بأنه إذا كان هناك ثمة من إلهٍ في هذا الكون، فالأجدر أن يكون الإنسان هو هذا الإله، طالما كان بمقدور هذا الإنسان أن يصنع العلم وأن يعلل بنظرياته لكل ما يحدث في هذا الوجود!
إن إعادة الاعتبار إلى الله تعالى مهمة شاقة وعسيرة طالما لم يكن بمقدور كل من هب ودب، ممن يزعم أنه متدين، أن يقوم بها! فإعادة الاعتبار إلى الله لن تتحقق إلا على يد أوليائه تعالى الذين وحدهم بمقدورهم أن يضطروا علم هذا العصر على الركوع والسجود لله تعالى، إقراراً منه بعجزه عن أن يعلل للظواهر الخارقة للعادة التي بوسعهم أن يجترحوها بإذن الله في ذات الوقت الذي يعجز فيه هذا العلم عن أن يجيء بمثلها.
