بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
قلت في منشورات سابقة إن للقرآن العظيم عربيةً يتوجب على متدبِّره أن يلتزمها فلا يحيد عنها حتى يكون بمقدوره أن يقع على ما انطوت عليه آياته الكريمة من معانٍ فلا تشذ عنه فينأى عنها. ومن الأمثلة التي بالإمكان إيرادها لتبيان ما لعربية القرآن العظيم من تمايزٍ عن العربية الدارجة كلمة “الظن”. فالظن وفقاً لعربيتنا الدارجة هو الاعتقاد الذي قد يصيب أو يخطئ، والذي يجعل صاحبه يرجِّحه على غيره من “الظنون”. أما وفقاً لعربية القرآن العظيم، فإن “الظن” هو الاعتقاد عامة دون ترجيح من بعد مفاضلة بين الظنون واستقرار على واحدٍ منها. فالظن وفقاً لعربية القرآن العظيم هو اعتقاد المرء الذي يعن له دون أن تؤسس له بيِّنةٌ من علمٍ يقيني، وبذلك يستند هذا الظن إلى ما بالإمكان أن نُرجعه إلى “الاستشعار” أو الإحساس أو الحدس.
ولقد حذَّر القرآن العظيم من اعتماد “الظن” مرجعيةً للحكم على الناس وعلى الأشياء، طالما لم يكن هذا الظن مؤسساً على ما هو “يقيني” (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) (من 12 الحجرات). وهذا ما ينبغي علينا أن نتبيَّنه من تمايز عربية القرآن العظيم عن عربيتنا الدارجة. فالظن ليس كله إثم طالما كان من الظن ما هو في محله. إلا أن ما ينبغي علينا أن نتبيَّنه بهذا الخصوص هو أن القرآن العظيم نصح بأن لا نعتمد الظن مرجعيةً لنا في إطلاق الأحكام واتخاذ القرارات. فالظن قد يصيب وقد يُخطئ طالما لم يكن هو اليقين الذي لا يمكن أن يكون إلا الصواب بعينه (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) (37 الجاثية).
ولذلك نجد في عربيتنا الدارجة ما يتوافق مع ما يعنيه “الظن” في القرآن العظيم، إذ نقول “سوء الظن” في إشارة منا إلى أن هناك من الظن ما هو ليس بسيء. لذلك فإن الأجدر بنا أن نعتمد عربية القرآن العظيم “فنظن” بالظن ما جاء في القرآن العظيم بشأنه من أنه الاعتقاد، وبالمعنى الذي يكون فيه هذا الاعتقاد قائماً على غير بيِّنةٍ ولا برهان، وبما يوجب علينا أن نوقن أن الظن هو ضديد اليقين الذي لا يخالجه شكٌ ولا ريب.
