ظواهر التزامن والدليل على وجود الله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

synch

تُقسم ظواهر الوجود إلى نوعين: ظواهر شائعة متكررة الحدوث هي “ظواهره غير الخارقة للعادة”، وظواهر نادرة الحدوث هي “ظواهره الخارقة للعادة”. وقد قام العلم النظري بدراسة ظواهر الوجود شائعة الحدوث وذلك لتكرار حدوثها؛ ذلك التكرار الذي لولاه لما كان هناك علم على الاطلاق. أما الظواهر نادرة الحدوث، والتي اصطُلح على تسميتها بـ “الظواهر الخارقة”، فلقد تم تجاهلها واستبعادها خارج دائرة اهتمام هذا “العلم” وذلك بسببٍ من تكراريتها المتدنية للغاية. وقد أقام العلم بُنيانه المعرفي إذاً على أساس من ظواهر الوجود متكررة الحدوث وتواضع على اعتبار تلك الظواهر التي استعصت عليه تفسيراً وتأويلاً وفقاً لمنظومته المعرفية ظواهر خارقة؛ أي خارقة للنسيج المعرفي الذي اَلبسه الوجود وأصبح عاجزاً عن ان يراه عارياً منه! إلا أن هذه ليست هي كل الحكاية. فظواهر الوجود ذات التكرارية المرتفعة هي الوجود الذي تواضعنا عليه وعلى المعيشة فيه وهو مجال تجلي الباطن الإلهي الذي كتب اللهُ على نفسه ألا يكون هناك من سبيل لمعرفته على الإطلاق. لذا كان الفشل مصير أية محاولة معرفية لسبر غور هذا الباطن المُغيب عن إدراك الخَلق. فكل جهد فكري يروم اِقامة البرهان على وجود الله انطلاقاً من ظواهر الوجود شائعة التكرار مُقدر له الاخفاق وذلك طالما كان معظم ما يحدث في هذا الوجود هو مجال تجلي الباطن الإلهي المستتر عن الأبصار؛ كل الأبصار. ولكن الله سبحانه وتعالى لم يتجل للوجود بباطنه فقط. فقد تجلى الله سبحانه وتعالى بظاهره في ظواهر، كالمعجزات والكرامات، هي مجال تجلي الظاهر الإلهي. ولقد مكَّن اللهُ العقل المتدبر في هذه الظواهر من التوصل إليه بوساطتها. لذا فان الدعوة لتفسير مؤمن لـ “الظواهر الخارقة” قد انطلقت من إدراك استحالة الوصول إلى معرفة يقينية بوجود الله عن غير طريق التدبر في هذه الظواهر التي هي مجال تجلي الظاهر الإلهي.

ولأن ظواهر التزامن من الظواهر الشائعة الحدوث، فإن العلم لم يستطع إنكار وجودها رغم خرقها لنسيجه المعرفي واستعصائها على تفسيره، فاكتفى بأن عزاها إلى “الصدفة” واختزل بذلك عجائبية حدوثها إلى مجرد اجتماع عشوائي لحدثين أو أكثر في ذات الزمان والمكان! فالعلم مهمته أن يعطي السبب لكي يُبطل العجب، ألم يُرجِع نشأة الكون كله من قبل إلى هذه “الصدفة” لكي ينفي عنه شبهة كونه مخلوقاً وأن خالقه هو الله؟!

ويأتي سبب عجائبية ظواهر التزامن من انتمائها لواقعَين لا تشابُه بينهما على الإطلاق: واقعها المسؤول عن الطاقة التي لا تحدث بدونها، وهذا الواقع الذي لا نعرف غيره، والذي لابد لها من أن تتجلى فيه حتى يكون بمقدورنا أن نعي بها. فهي ظواهر خارقة للمألوف عابرة إلى واقعنا المُعتاد هذا من واقع آخر يتواجد معه على الدوام، وهي محمَّلةٌ برسائل تتفاوت مضموناً باختلاف الشخص الذي تحدث هذه الظواهر الخارقة للعادة بوجوده، ومحمّلةٌ بمعلومات بالإمكان استخلاص معنى من جرّاء حدوثها. وأكثر ما هو غريب بخصوص ظاهرة التزامن هو أن مفرداتها المتقاربة، أو المتطابقة، ترِد في سياقات حدوث مختلفة واِنْ كان هذا لا يحول دون تقارُب، بل وحتى تطابُق، زمان حدوثها! وهذا ما يجعل من هذه الظواهر مُحمَّلةً بمعنى ليست تنافسُها في حمله إلا تلك الظواهر الخارقة للعادة والتي هي من قبيل ما يُصنَّف على أنها ظواهر رسالية أو ظواهر هادفة. إن هذا الظهور العجائبي لمفردة، بل وحتى أكثر، في سياقات حدوث مختلفة وبزمان حدوث متقارب، وفي كثير من الأحيان جد متقارب حد التطابق، يستدعي من العقل الإنساني أن يتساءل عن هذا الذي ما كان، لولا حاضر وسابق تدخُّله، لظاهرةٍ كهذه أن تَحدُث!

أضف تعليق