الله وباطن الأشياء

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الباطن

يُعلِّمنا القرآن العظيم أن ما من شيء إلا ويسبِّح بحمد الله تعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (44 الإسراء). وإذا كان الإنسان عاجزاً عن أن يفقه تسبيح ما يحيط به من كائنات ومخلوقات وجمادات، فإن هذه كلها جميعاً تشاركه عجزه هذا طالما لم يكن بمقدور أي منها أن “يعي” ما يقوم به من تسبيح بحمد الله تعالى. فكل ما في هذا الوجود من موجودات، تسبح بحمد الله تعالى وهي في غفلةٍ عما تقوم به من تسبيح طالما كان هذا التسبيح يتكفل به باطنها المتواري عن عالم الظاهر الذي صاغته هذه الأشياء بتواجد وتفاعل ظاهرها وظواهرها. إلا أن العبارة السابقة تحتاج إلى بعضٍ من “التضبيط” حتى تكون عبارة صادقة. فالملائكة الكرام عليهم السلام يسبِّحون بحمد الله تعالى وهم يعون تسبيحهم هذا. كما أن المسبِّحين من الإنس والجن يفقهون تسبيحهم الذي فرضه الله تعالى عليهم عبادةً من بين العبادات التي خُلقوا ليتعبَّدوا الله تعالى بها. إلا أن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نتوهم ونظن أن بإمكان أي مخلوق أن يفقه ما يقوم به “باطنه” من عبادة لله تعالى تشتمل على التسبيح بحمده. فكل خلق الله يسبِّح بحمده تعالى تسبيحاً “باطنياً” لا يُفقه له كنه ولا تعرف له كيفية. وهذا التسبيح بحمد الله تعالى الذي ينشغل به “باطن الأشياء” هو البرهان الإلهي على عبوديتها لله تعالى، وعلى كونها لا قدرةَ لها على أن يكون لها “وجود” في هذا العالم لولا تكفُّل الله تعالى بإمدادها بما يمكِّنها من أن “توجد”.

إن العالم من حولنا هو لا أكثر من “ظاهر ومظاهر” مهما دقَّ ولطف هذا الظاهر، ومهما توارت عن الأنظار تلك المظاهر. وهذا “العالم الظاهري” هو ليس كل ما هنالك، طالما كان هناك “عالمٌ باطني” لا قدرةَ لنا على أن نحيط به علماً وذلك لتواريه بعيداً عن أعيننا المجردة وأعين أجهزتنا، مهما كان بمقدورها أن تتوغل عميقاً في عالم الظاهر هذا. إن عالم الباطن موجود بحق، وإن كنا عاجزين عن أن نفقه وجوده فإننا عاجزون أصلاً عن أن نفقه ما تقوم به موجوداته من تسبيح بحمد الله تعالى. فيكفينا أن نتذكر أننا ما خُلقنا ليكون بمقدورنا أن نُمكَّن من عالم الباطن هذا طالما كانت خِلقتنا هي من مادةٍ من هذا “العالم الظاهري” طيناً وماء.

أضف تعليق