بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لاشيء في هذا الوجود يحدث إلا وكانت علة حدوثه بيد الله تعالى. وأحداث الوجود كلها جميعاً تحدث بأسبابٍ تتوارى هذه العلة من ورائها. واللهُ، إذ يتوارى من وراء هذه الأسباب، فإنه بتواريه هذا يكون محتجباً عن أن يعيه خلقه كلهم جميعاً. فلكأن هذه الأسباب، التي تكفل لأحداث الوجود أن تحدث، هي حجابٌ إذ لا قدرةَ للخلق على أن يدركوا هذه الأحداث دون وساطةٍ منها. واللهُ تعالى لطيفٌ بتواريه هذا الذي جعله الفاعل الحقيقي من وراء هذا الحجاب. وتلطُّف الله تعالى هذا من وراء هذا الحجاب بالإمكان أن “يُتصوَّر”، وذلك بتدبُّر ما تنطوي عليه كلمة “التلطُّف” من معنى بوسعنا أن نتبيَّنه إذا ما نحن تدبَّرنا المرة الوحيدة التي وردت بها في قرآن الله العظيم، وذلك في سياق حديثه عن أصحاب الكهف رضوان الله تعالى عنهم (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا) (19 الكهف).
فالتلطُّف الإلهي هو تجلِّي الله في هذا الوجود فاعلاً متوارياً من وراء حجاب الأسباب فلا يُشعِر به تعالى أحداً من خلقه. ولقد أدرك سيدنا يوسف عليه السلام لطف الله تعالى هذا بتدبُّره ما قامت به “يد الله الخفية” من صياغة للأحداث التي ظُنَّ أنها حدثت بعيداً عن تدخل الله المباشر (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (100 يوسف).
وهذا التلطُّف الإلهي دليلٌ على عظمة الله تعالى، الذي وإن تجلى في هذا الوجود تجلياً ما كان لشيء أن يوجد ولا لحدثٍ أن يحدث لولاه، فإنه يبقى خفياً عن أن يدركه أحد من خلقه. فلكأن الله تعالى محتجبٌ عن الخلق قاطبةً بـ “عباءة اختفاء” تحُول دون أن يدركوا تواجده اللطيف بين ظهرانيهم! ولك أن تتصور ما سيحدث للخلق طراً إذا ما نزع الله تعالى عنه عباءة الاختفاء هذه، إذ سينجم عن تجليه تعالى ما يجعل من الوجود يصيبه ما أصاب جبل سيدنا موسى عليه السلام (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) (143 الأعراف).
