بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن الناس أن العلم كله خير. وهذا ظن في غير محله أسَّس له انبهارٌ بما جاءنا به العلم من قدرةٍ مكَّن لنا بوساطةٍ منها من عالمنا حتى خُيِّل إلينا أننا قد أصبحنا أسياده والمتحكِّمين فيه! ولقد بلغ انبهارنا بالعلم حدَّ جعله إيانا نستعيض به عن الدين، طالما قدَّم لنا منظومةً معرفيةً أوهمنا أنها تعلل لما يحدث في الوجود بأحسن مما يفعل الدين! ولقد فاتنا أن العلم فيه ما هو كفيلٌ بإيرادنا مورد التهلكة، طالما لم يكن بُنيانه قد أُسِّس على تقوى من الله ورضوان. وفاتنا أيضاً أن الجهل أفضل من كثير من العلم، طالما لم يكن هذا العلم بالنافع، وطالما كان من العلم ما هو ضار. وكفى ببعض العلم مضرةً أنه يجعل من صاحبه مغروراً فيحجبه غروره هذا عن الحقيقة التي أوهمه هذا العلم أنه صنوها!
ولذلك كان التعامل مع العلم يتطلب قلباً حياً وعقلاً راجحاً يُمكِّنان المرء من تبيُّن ما انطوى عليه هذا العلم من باطن قد يودي بالمرء إلى التهلكة إن هو لم يحذر من الضياع في متاهات نظرياته. ولذلك كان الأجدر بالمرء أن يكون على بصيرةٍ قبل أن يسارع إلى اعتماد العلم منهجه، وإلا فلن يكون بمأمنٍ من أن يُضِله العلم الذي ظن أنه هاديه إلى سواء السبيل! إن العلم غير قادر على أن يكون القائد كما يظن ويتوهم الكثير! فالقائد هو من كان بمقدوره أن ينتفع بما بين يديه من العلم طالما لم يكن لهذا العلم أن يُضِلَّه بانبهاره به واغتراره بما جعله عليه، وطالما لم يستطع هذا العلم أن يجعله مغتراً به فتُحجب عنه حقائق الأمور.
إذاً، فما عليك أن تحرص عليه هو أن تكون ذا بصيرةٍ تُمكِّنك من تبيُّن العلم الذي ليس كله سواء فتحرص على أن تأخذ من العلم ما هو نافعٌ غير ضار، وتُعرِض عن كل علم يضر ولا ينفع. ولذلك كان الأجدر بالمرء أن يُتقن كيفية التعامل مع العلم قبل أن يشرع بأن يعب من العلم عباً وهو لا يدري أن كثيراً من هذا الذي حرص على ألا يفوته من العلم فيه مما يضر أكثر مما ينفع، وأن من العلم ما يدفع بالمرء إلى هاوية الهلاك في الدنيا والآخرة! كيف لا ومن العلم ما يجعل المرء يظن ألا إلهَ هناك إلا هواه، وأن ليس هناك في الوجود مَن هو جدير بأن يُتعبَّد له غير هذا الهوى! إذاً فلتحرص على أن يكون لك قلبٌ، أو أن تلقى السمع وأنت شهيد، أكثر من حرصك على أن تأخذ من العلم غثَّه وسمينه وأنت لا تدري أن السُّمَ في الدسمِ! (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (37 ق).
