بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لم ترد كلمة “خليفة” في القرآن العظيم غير مرتين، الأولى في سياق الحديث عن سيدنا آدم عليه السلام (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) (من 30 البقرة)، والثانية في سياق الحديث عن سيدنا داود عليه السلام (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (26 ص).
ولقد استند البعض من جُهّال الأمة إلى فهم خاطئ لآية “آدم الخليفة في الأرض”، وذلك للتسويغ لما هم بصدد القيام به من إفسادٍ في الأرض وسفكٍ للدماء وإعمالٍ لكل ما هو من وجهة نظرهم مشروعٌ من أعمال البطش والفتك والترهيب والتعذيب والتقتيل، طالما كانت الغاية تبررها هذه الوسائل الدنيئة، وطالما كانت هذه الغاية هي لا أكثر من التسلط على رؤوس العباد والتحكُّم في مقدرات البلاد تلبيةً لأهواء نفوسهم الظالمة الشريرة! والعجيب أن هؤلاء الجُهال، الطامحين إلى القفز إلى سدة الحكم، قد غفلوا عن آية “داود الخليفة”، وذلك لأنها لا يمكن على الإطلاق أن تُقرأ وفق ما يقضي به هوى النفس طالما كانت هذه الآية الكريمة تطالب قارئها ومتدبِّرها بأن لا يتَّبع الهوى، وذلك بأن يحكم بين الناس بالحق!
إن “الخليفة الحق” هو من أيقن أن الله تعالى ما استخلفه في الأرض إلا ليُقيم العدل بين الناس، وإلا لما اختصه الله تعالى بهذه الخلافة. ويخطئ من يتوهم من جُهال الأمة أن الخليفة هو من سيَّدَه الله تعالى على الخلق وأطلق يده ليعيث في الأرض فساداً! فاللهُ ما كان ليستخلف في الأرض من هو مفسدٌ، طالما كان الله قد صرَّح في قرآنه العظيم بأنه لا يحب الفساد ولا المفسدين (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) (205 البقرة)، (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين) (من 64 المائدة).
لقد بالغ جُهال الأمة في غيِّهم الذي سوَّل لهم أن يتصوروا “خليفتهم” سلطاناً جائراً يقضي بالباطل ويفعل كل ما يحلو له دون مراعاةٍ منه لحدود الله التي أنبأ القرآن العظيم بسوء عاقبة مَن يتعداها ويتجرأ عليها. ولقد فات هؤلاء الجُهال أن الله تعالى أمر بالقسط وأنه يحب المقسطين وأن من القسط ما يحتِّم على “الخليفة” أن يراعي حدود الله فيُجلَّها ويحترمها حتى ولو تطلب الأمر منه أن لا يظلم من كان من غير المسلمين (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (8 الممتحنة)، (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين) (190 البقرة)، 0وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين) (من 42 المائدة).
