بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ذكرت في منشورات عدة أن كثيراً من كلمات القرآن العظيم لها من المعاني ما لا يمكن الوقوع عليه والإحاطة به إلا من بعد أن يتبيَّن لنا ترابطها البنيوي ضمن السياق القرآني الذي ترد من خلاله، وأن من كلمات القرآن العظيم ما لا يتبيَّن ما انطوت عليه من معنى إلا من بعد تدبُّر هذا السياق. ومن أكثر كلمات هذا القرآن قدرةً على إدهاشنا وإبهارنا بمعانيها، المتعددة بتعدد السياقات القرآنية التي ترد من خلالها، كلمة “الكتاب”. وفي هذا المنشور سوف أتطرق إلى كلمة “الكتاب”، وذلك لأبيِّن واحداً من معاني هذه الكلمة قلما يتم إيلاؤه ما يستحق من التدبُّر.
فلقد علَّمنا القرآن العظيم أن هناك من موجودات هذا الوجود ما لا قدرةَ لأعيننا المجردة، ولا لأعين أجهزتنا، على أن تحيط به لفرط تلطُّفه وتواريه بعيداً عن هذه الأنظار كلها جميعاً. ومن بين هذه الموجودات، اللطيفة الخفية، ما يمكن أن يُطلق عليه “كتاب الوجود”؛ فهذا الكتاب يوثِّق لكل ما يحدث في هذا الوجود صغر أم كبر. وبوسعنا أن نتبيَّن بعضاً من عجيب أمر هذا “الكتاب”، وذلك بتدبُّر الآيات الكريمة التالية: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59 الأنعام)، (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (61 يونس)، (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِين) (6 هود)، (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ. وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (74 -75 النمل)، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِين) (3 سبأ).
فهذا الكتاب هو عبارة عن تدوينٍ إلهي لكل ما يحدث في الوجود، واستنساخٍ حرفي يوثِّق لهذه الأحداث. وهذا الاستنساخ الإلهي لأحداث الوجود كلها جميعاً يذكِّر بما يقوم به الله تعالى من استنساخٍ لأعمال بني آدم في كتابٍ آخر بالإمكان أن نُشير إليه بأنه “كتاب الآخرة”. ولقد جاء في القرآن العظيم ما يشير إلى هذا الكتاب، وذلك في آيات كريمة عدة منها: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (28 -29 الجاثية)، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (49 الكهف)، (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون) (69 الزمر).
وهذا الكتاب هو غير “كتاب الموتى” الذي سبق وأن تحدثت عنه في أكثر من منشور، والذي جاء ذكره في القرآن العظيم في آياتٍ كريمة كثيرة منها: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55 -56 الروم)، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِين) (37 الأعراف).
إذاً، فهذا الوجود قائمٌ بالله تعالى الذي سبق وأن خلق كل ما فيه من موجودات، والتي لم يكن لأي منها أن يكتب له بقاء لولا مدد الله الذي يكفل له ألا يزول ويتلاشى ويفنى إلى حين. والوجود، إذ تتلاشى أحداثه جراء ما يعتري موجوداته من تغيير حتمي لابد منه، فإنه يبقى موجوداً “صورةً” وليس “أصلاً” في “كتاب الوجود” المشار إليه أعلاه. وبذلك يحتفظ الله تعالى بصورةٍ لكل موجودٍ من موجودات هذا الوجود تبقى في “كتاب الوجود” من بعد زواله.
ولقد جاء في سورة يس ذكر كتاب الوجود هذا، وذلك بصيغة “إمام مبين”، في الآية الكريمة (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ). و”الإمام المبين” هذا هو الكتاب المبين وليس شيئاً آخر مما يظنه ويتوهمه المغالون الذين فسَّروه بأنه إمامٌ بشرٌ من بني آدم!
